
بقلم: سمر قرة / العالمية
في وقتٍ تتجه فيه دول المنطقة نحو عقلنة تشريعاتها ومراعاة واقعها الاجتماعي والديموغرافي، لا يزال لبنان يمارس إجحافاً بحق نصف مجتمعه، حارماً المرأة اللبنانية من أبسط حقوقها الدستورية والإنسانية: حق إعطاء جنسيتها لأبنائها.
لقد شكّلت المبادرات التشريعية الأخيرة في سوريا بخصوص منح الجنسية لأبناء السوريات خطوة في اتجاه الاستجابة للواقع الاجتماعي؛ وهو توجه ينطلق من منطق عملي يحفظ حق الأمومة، ويسهل استقرار العائلات وإعادة دمجها في النسيج الوطني. هذا المنطق يطرح سؤالاً مفصلياً بوجه المشهد السياسي اللبناني: إذا كانت دول تجتاز أزمات جارفة تسعى لاتخاذ قرارات شجاعة تحمي مواطنيها، فلماذا يصرّ لبنان على التمسك بجمود تشريعي وعزلة حقوقية؟
إن منح الجنسية عن طريق الأم ليس خياراً ترفياً ولا صنيعة غربية، بل هو المعيار البشري والقانوني الذي تتبناه غالبية دول العالم:
* عربياً: حسمت دول كـ مصر، المغرب، تونس، الجزائر، والعراق هذا الملف منذ سنوات، مؤكدة أن المواطنة لا تُجزّأ حسب الجنس.
* أوروبياً: تمارس دول مثل فرنسا، ألمانيا، بريطانيا، السويد، وإسبانيا هذا الحق كبديهية حقوقية لا تقبل النقاش.
* في الأمريكتين: تعتمد الولايات المتحدة، كندا، المكسيك، البرازيل، والأرجنتين قوانين تضمن حق الدم وحق الأرض دون تمييز.
* في آسيا وإفريقيا: تقر دول كـ الهند، اليابان، وجنوب إفريقيا بالحق الكامل للأم في نقل مواطنتها لأبنائها.
أمام هذه الخارطة الدولية والعربية، يبرز الاستثناء اللبناني كمتحفٍ للتمييز. والعلّة ليست عجزاً تشريعياً، بل فوبيا “التوازنات الديموغرافية” والحسابات الطائفية الضيقة التي حوّلت الأم اللبنانية إلى مواطنة مقيّدة الحقوق، وجعلت أبناءها غرقاء في المعاملات الإدارية وإجازات العمل وحرمان الحقوق المدنية داخل وطن أمهاتهم.
إن الاستمرار في رهن حقوق النساء وأبنائهن لسياسات الخوف والتعطيل ليس حماية للبنان، بل هو إضعاف لبنيته الاجتماعية والإنسانية. لقد حان الوقت لإسقاط هذه الذرائع الهشة؛ فالوطن الذي يخشى أمومة نسائه هو وطن يفرط في مستقبله.
https://chat.whatsapp.com/JoF6PIa2OMh3vtQYLi5X01?s=sh&p=a&mlu=4&ilr=4




