مقالات و تقارير

شو إعلامي على حساب الكرامة، عندما تتحول الرقابة إلى تريند

 

بقلم. هبه شتيوي

لم يعد مستغربا أن تفتح منصات التواصل الاجتماعي أو تطالع المواقع الإخبارية لتجد خبر مصور أو مقطع فيديو يعتلي قائمة الأكثر مشاهدة تحت عنوان مبهر: المسؤول الفلاني يفرم الموظفين أو جولة مفاجئة تطيح بالمقصرين. للوهلة الأولى، قد يظن المتابع أننا أمام ثورة إدارية لنزع الفساد ومحاسبة المهملين، لكن بمجرد التدقيق في التفاصيل، نكتشف أننا أمام زفة كاذبة ومسرحية إعلامية فاشلة مكتملة الأركان، هدفها الأول والأخير الكسب السريع لإرضاء القيادات وجلب المشاهدات، حتى لو كان الثمن إهدار كرامة الإنسان.
حيث تحول الإعلام الان في كثير من الأحيان للأسف من وسيلة لنقل الحقيقة ونقد الخلل بأمانة، إلى أداة للمبالغة والتلميع الغير مرغوب فيه لبعض المسؤولين. والمؤسف أن هذا التلميع لا يتم عبر إبراز الإنجازات الحقيقية أو طرح حلول جذرية للمشكلات، بل عبر ممارسات خاطئة تقتضي البحث عن “ضحية” من المستضعفين لتمرير الموقف.
إن ما يمارسه بعض الإعلاميين والمسؤولين الباحثين عن الضجة الإعلامية يتجاوز مجرد المبالغة، ليقع في فخ المخالفات الأخلاقية الجسيمة حيث نجد تعمد للتعنيف اللفظي والتوبيخ أمام الكاميرات علانية لمن هم أدنى في الهيكل الوظيفي، في مشهد يفتقر لأدنى قواعد الأدب الإداري والاحترام الإنساني.
وكذلك فقد تم استبدال الرقابة البناءة بأسلوب التصيد، حيث يتم البحث عن هفوات صغيرة وتكبيرها إعلاميا لإظهار المسؤول بمظهر البطل الحازم.
وقد تحول نزول المسؤولين للأسواق والتفتيش على المحال إلى حملات استعراضية تمس أرزاق الناس وتهين كرامتهم أمام ملايين المتابعين، دون مراعاة للأبعاد الإنسانية أو القانونية.
فما يحدث ليس رقابة ولكنه استعراض فاشل فالرقابة الحقيقية والإصلاح الإداري لا يحتاجان إلى عدسات التصوير، ولا إلى مخرج يحدد زوايا اللقطة ليكون المسؤول في أبهى صوره. الإصلاح الحقيقي يتم في صمت عبر تفعيل القوانين، ومحاسبة المقصرين وفق الأطر الرسمية، وتطوير بيئة العمل. أما تحويل الجولات التفتيشية إلى استعراضات مجوفة وشو إعلامي فإنه لا يحل المشكلات الإدارية أو الاقتصادية، بل يكرس ثقافة الخوف والسطحية، ويفقد الشارع ثقته في جدية هذه الممارسات.
واهمس في اذن كل مسؤول تنفيذي،عزيزي المسؤول إن القيادة الحقيقية لا تقاس بعدد “اللايكات” أو كمية الصراخ أمام الكاميرات، بل بالعدل، وصيانة كرامة المرؤوسين والمواطنين على حد سواء. وأعتقد أنه قد حان الوقت لتتوقف هذه الزفة، ولنعيد للإعلام والرقابة هيبتهما القائمة على المهنية والضمير الأخلاقي.

تم نسخ الرابط بنجاح!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى