مقالات و تقارير

السلطة المطلقة مفسدة مطلقة

محمد الكعبي
«السلطة تميل إلى الإفساد، والسلطة
المطلقة تفسد إفسادا مطلقا»؛ هذه العبارة الشهيرة المرتبطة باللورد أكتون تختصر
واحدة من أهم الحقائق في الفكر السياسي: كلما اتسعت سلطة الإنسان، ازدادت الحاجة
إلى المؤسسات التي تراقبه وتحد من إساءة استخدامها، فالإنسان، مهما امتلك من نوايا
حسنة، ليس معصوما من تأثير القوة والسلطة لا تختبر أخلاق الإنسان فحسب، بل تختبر
قدرته على مقاومة إغراءاتها، وتكشف مدى استعداده لأن يضع المصلحة العامة فوق
مصلحته ومصلحة جماعته ولهذا فإن النظام السياسي الرشيد لا ينبغي أن يقوم على
افتراض أن الحاكم صالح دائما، وإنما على سؤال أكثر واقعية ونضجا:
ماذا لو وصل إلى السلطة شخص غير
صالح؟
فالسلطة حين تكون مقيدة بالدستور
والقانون، وخاضعة للقضاء والرقابة والمساءلة، يمكن أن تتحول إلى وسيلة لخدمة
المجتمع وتحقيق المصلحة العامة، أما حين تتركز في يد شخص أو حزب أو جماعة، وتغيب
عنها آليات المحاسبة، فإن الدولة تبدأ تدريجيا في التحول من دولة المؤسسات إلى
دولة الأشخاص فالاستبداد لا يبدأ بالضرورة بانقلاب صريح على الدستور أو بإلغاء
المؤسسات دفعة واحدة؛ فقد يبدأ بخطوة صغيرة تبدو استثنائية ومؤقتة:
استثناء من القانون، ثم تجاوز
لصلاحية، ثم تعطيل لرقابة، ثم إسكات لصوت ناقد، ثم تبرير للتجاوز بحجة «المصلحة
العامة».
وبمرور الوقت يتحول الاستثناء إلى
قاعدة، والتجاوز إلى ممارسة، والقانون إلى أداة بيد السلطة، والسلطة إلى غاية بدل
أن تكون وسيلة وهنا تكمن خطورة الاستبداد المؤسسي: أنه لا يحتاج دائما إلى هدم
الدولة من الخارج؛ بل يستطيع أن يفرغ مؤسساتها من مضمونها وهي ما تزال قائمة في
الظاهر.
قد يبقى البرلمان موجودا، لكن دون
قدرة حقيقية على الرقابة.
وقد يبقى القضاء قائما، لكن إذا فقد
استقلاله فقد جوهر وظيفته.
وقد تبقى أجهزة الرقابة موجودة، لكن
إذا مُنعت من الوصول إلى الحقيقة تحولت إلى هياكل شكلية، وهكذا يمكن أن تبقى
المؤسسات بأسمائها، بينما تختفي وظيفتها الحقيقية.
ان من أخطر نتائج السلطة غير المقيدة
أنها لا تفسد الحاكم وحده، بل قد تفسد البيئة المحيطة به أيضا فعندما يدرك
المسؤولون أن قول الحقيقة قد يكلفهم مناصبهم، يبدأون بإخبار الحاكم بما يحب أن
يسمعه، لا بما يحتاج إلى معرفته.
وهنا يتحول المسؤول إلى منافق ويتحول
المقربون من صانعي سياسات إلى صانعي رضا، ويتحول النقد من وسيلة لتصحيح الأخطاء
إلى تهمة، وتصبح الكفاءة أقل قيمة من الولاء.
وبذلك تفقد الدولة أهم مواردها:
العقل القادر على قول «لا» عندما تكون «لا» ضرورية لإنقاذ القرار، فالحاكم الذي لا
يسمع إلا المديح ليس بالضرورة حاكما قويا، بل قد يكون حاكما يعيش داخل دائرة
معلومات مشوهة والمشكلة هنا ليست أخلاقية فقط، بل إدارية وسياسية أيضا؛ لأن القرار
المبني على معلومات ناقصة أو مزيفة يقود في النهاية إلى سياسات خاطئة، مهما كانت
نوايا صاحب القرار.

قد تبدو الدولة التي يتركز القرار
فيها بيد شخص واحد أكثر سرعة في اتخاذ القرارات، لكنها ليست بالضرورة أكثر قوة فالقوة
الحقيقية للدولة لا تقاس بقدرة شخص واحد على إصدار الأوامر، وإنما بقدرة مؤسساتها
على الاستمرار عندما يتغير الأشخاص، فإذا غاب المسؤول وبقيت الدولة تعمل، فهذه
دولة مؤسسات وأما إذا غاب المسؤول فتوقفت الدولة، فهذه ليست قوة؛ إنها هشاشة
مؤسسية.
ولهذا يجب التفريق بين مفهومين كثيرا
ما يختلطان:
قوة الدولة تعني قوة القانون
والمؤسسات والإدارة والقضاء والرقابة والقدرة على الاستمرار.
أما قوة السلطة المنفردة فتعني أن
القرار السياسي والإداري يرتبط بشخص أو دائرة ضيقة من الأشخاص.
الأولى تبني دولة.
أما الثانية فقد تبني نظاما يبدو قويا
ما دام الشخص القوي موجودا، لكنه يصبح هشا عندما يغيب ذلك الشخص،

هذه الفكرة نجد لها تعبيرا بالغ
العمق في عهد الإمام علي عليه السلام إلى مالك الأشتر، حين قال:
«إياك والاستئثار بما الناس فيه
أسوة».فالاستئثار هو أن تتحول السلطة من مسؤولية عامة إلى امتياز خاص فالحاكم أو
المسؤول لا يملك المال العام، ولا الوظيفة العامة، ولا القرار العام؛ وإنما يؤتمن
عليها ومن هنا فإن الموقع العام ليس ملكا لمن يشغله، وإنما أمانة في ذمته وحق
للمجتمع.
ولهذا فإن تقديم الموالين على أصحاب
الكفاءة لا يمثل مجرد خطأ إداري؛ بل قد يتحول إلى خطر على الدولة نفسها.
فعندما يُعيَّن الشخص لأنه موالٍ، لا
لأنه قادر، فإن الدولة لا تخسر شخصًا كفوءًا فحسب، وإنما تخسر جزءا من قدرتها على
الإنجاز.
وهنا يصبح الفساد أوسع من سرقة المال العام؛ إذ
يمكن أن يكون هناك فساد في توزيع الفرص، وفساد في إدارة الكفاءات، وفساد في صناعة
القرار عندها تبدا عملية الانهيار الحضاري وتفكك المجتمع وانقسامه.

تم نسخ الرابط بنجاح!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى