مقالات و تقارير

 عندما يتحول “التريند” إلى غرفة عمليات مخابراتية

 

 

 

 

 

 

 

 

في عصر أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي ساحة مفتوحة للصراع السياسي والإعلامي والنفسي لم يعد احتلال الدول يتطلب جحافل الدبابات وأسراب الطائرات بل يكفي أحياناً بضعة آلاف من الحسابات الوهمية ومجموعات من “الروبوتات” الإلكترونية ومذيعين يقتاتون على التمويلات المشبوهة لبث سمومهم المنحطه في عقول المصريين فلم تعد الدولة الحديثة تنظر إلى الفضاء الرقمي باعتباره مجرد مساحة بريئة لتبادل الآراء بل باعتباره أحد ميادين الأمن القومي التي يمكن أن تتعرض من خلالها المجتمعات لحملات تأثير منظمة وحروب معلومات من اهم اسلحتها العمليات النفسية التي تستهدف تشكيل الإدراك العام ومن هذا المنطلق جاء قرار الدولة المصرية بحجب بعض المواقع والمنصات الإلكترونية المشبوهة ليس قمعاً للحريات كما يتباكى المتباكون بل كمشرط جراح يستأصل أوراماً خبيثة تستهدف عقل المواطن وأمن الوطن.

 

حرية الرأي و هندسة الإحباط

حرية الرأي والتعبير حق أساسي تكفله الدساتير والمواثيق و لكن الإشكالية والخطورة تبدآن عندما تتحول المنصة الإعلامية أو الحساب الرقمي من مساحة لعرض الرأي إلى أداة منظمة لإدارة “غسيل أدمغة” احترافي يعتمد على ثالوث صهيوني خبيث (تسويق الأكاذيب – نشر الإحباط -بث التشكيك الممنهج)،، هذا النمط يطلق عليه “العمليات النفسية” هو احد اعمدة حروب الجيل الرابع وهي أنشطة لا تعتمد بالضرورة على الكذب الصريح فقط بل تقوم على هندسة اليأس عبر آليات خبيثة تعتمد على الانتقاء المتعمد وإبراز جزء من الحقيقة و تحويل أي حدث محلي صغير أو عطل فني عابر إلى كارثة قومية و”انهيار كامل” مستقبلي مع إخفاء أي سياق موضوعي ومع تكرار الرسائل السلبية تتحول إلى قناعة عامة لدى الجمهور ليتسلل اليأس إلى القلوب وينتهي الرابط الإنساني والوطني بين المواطن ودولته وذلك بالتشكيك الممنهج في مؤسسات الدولة و المحاولات المستمرة لضرب الثقة في الجيش والشرطة والقضاء والاقتصاد إدراكاً منهم أن سقوط الثقة في هذه الأعمدة يعني انهيار السقف فوق رؤوس الجميع.

 

السند القانوني لعمليات الحجب

حين تلجأ الدولة المصرية إلى تنظيم الفضاء الإلكتروني أو حجب موقع ما فهي لا تفعل ذلك استناداً إلى أهواء سياسية بل تستند إلى بنية قانونية وتشريعية متماسكة تحمي أمنها القومي في فضاء افتراضي بلا حدود وتتمثل أبرز هذه الأسلحة القانونية في الاتي :-

١- دستور جمهورية مصر العربية و الذي ينص صراحة على التزام الدولة بحماية أمنها القومي واعتبار الحفاظ عليه واجباً وطنياً يتقدم على ما سواه.

٢- قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات (رقم 175 لسنة 2018) و تمنح المادة (7) منه للجهة التحقيقية المختصة الحق في إصدار قرار بحجب المواقع والروابط الإلكترونية إذا قامت ببث أي عبارات أو صور أو مواد تشكل تهديداً للأمن القومي أو تعرض أمن البلاد أو اقتصادها القومي للخطر.

٣- قانون تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى للإعلام (رقم 180 لسنة 2018 ) والذي يعطي المجلس الحق في حجب المواقع أو الحسابات الإلكترونية التي تنشر أو تبث أخباراً كاذبة أو ما يدعو أو يحرض على مخالفة القانون أو العنف أو الكراهية ،، حيث تستند فلسفة هذه القوانين إلى أن حرية التعبير ليست حقاً مطلقاً في أي دولة بالعالم وإنما تقف عند حدود النظام العام ومنع التحريض وحماية الجبهة الداخلية من اختراقات معادية.

 

عاصمة الضباب ودموع الترامبولي

هنا تظهر واحدة من أكثر المفارقات إثارة للسخرية والمليئة بالكوميديا السوداء في المشهد الدولي فهذه الحسابات والمنصات تبث سمومها من عواصم غربية لا سيما (لندن) وعواصم اخرى إقليمية تملأ الدنيا صراخاً وعويلاً حول “حقوق الإنسان” وتقدم نفسها بوصفها الحارس العالمي لحرية التعبير بينما هي نفسها تمارس أسوأ أنواع المقاصل الرقمية وتكميم الأفواه إذا اقترب أحد من خطوطها الحمراء

دعونا نتأمل هذا النفاق الغارق في ازدواجية المعايير فأين حرية التعبير عندما حجبت حكومة امريكا حسابات ترامب (رئيس امريكا العظمى) في اخر ايام حكمه في ولايته الاولي بدعوي الحفاظ على الامن القومي فضلاً عن استدعاء رؤساء شركات التواصل الاجتماعي (مثل تيك توك وميتا) إلى البرلمانات والكونجرس وتوبيخهم كما حدث في فضيحة بيانات “كامبريدج أناليتيكا ” و هي فضيحة سياسيّة كُبرى تفجّرت في أوائل عام 2018 عندما تم الكشف عن أنّ شركة كامبريدج أناليتيكا قد جمعت «بيانات شخصية» حولَ ملايين الأشخاص على موقع فيسبوك من دون موافقتهم قبل أن تستخدمها لأغراض «الدعاية السياسية» ومن هنا جاءت خطوره المواقع الرقميه في تهديدها للأمن المجتمعي والسيبراني الا ان الغرب يتعامل معنا بمبدأ “حلال علينا.. حرام عليكم” فإذا قامت دولة غربية بإغلاق حساب أو حظر موقع يحرض على الشغب أو ينشر معلومات تعتبرها مضللة يُسمى ذلك “حماية للسلم المجتمعي وسيادة القانون” أما إذا قامت مصر بحجب منصة تحرض على العنف واغتيال الجنود ونشر الفوضى الاقتصادية يرتدي الغرب ثوب الواعظ ويصرخ “وا أسفاه على حرية الصحافة!” وكأن الأمن القومي حق حصري للدول الكبرى بينما يُطلب من الدول الاخري أن تظل متفرجة على استهداف استقرارها.

 

نماذج الكترونيه منحطه

لا يكتمل تشريح آلة الوعي المزيف دون المرور على تلك النماذج العفنة التي اتخذت من منصات التواصل مستنقعاً لبث سمومها ونبدأ بـ “إيدي كوهين” ذلك الصهيوني الذي تجاوزت تفاهته كل حد فتطاول على الدولة المصرية وجيشها العظيم بسيل من الأكاذيب والترهات مقدماً نموذجاً لشخصية لزجة تفتقر لأي قبول أو احترام جماهيري حقيقي حتى لدى من يستمعون إليه من باب التسلية.

أما “عمرو واكد ” الشهير بعمرو واخد فهذا الممثل الفاشل الذي تحركه أحقاده وجهل مدقع فقد احترف نشر الأكاذيب والتباكي الإلكتروني حتى وجد ضالته مؤخراً في الارتماء بأحضان الفكر الشيعي الإثنى عشري المجوسي بالتعاطف مع ايران ليعكس تدهوراً فكرياً وأخلاقياً غير مسبوق.

وينضم إلى الجوقة “عبد الله الغير شريف” المتخصص في صياغة التخاريف والقصص المضللة والذي تجلى كذبه في تزييف وتجميل صورة الإرهابي هشام العشماوي ومؤخرًا بلغ استخفافه بالعقول حداً مضحكاً حينما خرج ليتحدث عن “تسريبات” ادعى أنها من داخل القصر الملكي السعودي زاعماً أنه نسق مع “الأمن البريطاني” لحمايته وكأنه يخاطب مجموعة من السذج المغيبين الذين لا يدركون كيف تدار العلاقات الدولية والاستخباراتية.

وفي قائمة الخيانة يبرز “شريف عثمان” ضابط الجيش الهارب الذي خان شرف عسكريته ووطنه فبعد أن كرمته القوات المسلحة المصرية وأرسلته في بعثة تدريبية إلى أمريكا على نفقة الدولة ليعود سلاحاً لبلده خان الأمانة وهرب متحولاً إلى مواطن أمريكي يطعن في وطنه الأم الذي علمّه ودفع ثمن تذكرة سفره لماما امريكا .

ولا يمكن لنا أن ننسى “محمد ناصر الشهير” بـ “كانريا” المفضوح الكترونيا علي مواقع التواصل بعلاقاته المشبوهة مع الساقطات والنصب عليهن وسرقتهن واذلالهن بممارسات مازوخيه ساديه منحطه تعكس الخلل النفسي السلوكي له فضلا عن كونه يملك من الفجاجة ما يجعله يخرج على الشاشات ليتحدث عن الشرف والتربية والتحليل السياسي ،، ونكتفي بهذه الأمثلة الحقيرة التي لا تعكس سوى انحطاط وسفالة هذه الشخصيات العفنة التي باعت ضمائرها وأوطانها مقابل حفنة من الدولارات لتظل مجرد أدوات رخيصة في يد كل من يعادي الدولة المصرية وجيشها.

 

أخيراً

السيادة المصرية فوق “التباكي” الإلكتروني

إن النقاش الحقيقي اليوم ليس بين الحرية والمنع بل بين حرية التعبير المشروعة وبين النشاط الاستخباراتي والإعلامي الممنهج الذي يعتبر جزءاً من معركة التأثير على الأمن القومي وليطمئن أولئك القابعون في الغرف المكيفة وراء البحار الذين يقتاتون على التمويلات المشبوهة نقول لهم بصدق صراخكم لا يعكس سوى فشل مخططاتكم و بكاؤكم المصطنع على “الحرية” لن يغير من حقيقة أن الأمن القومي المصري خط أحمر و ستبقى مصر محصنة وستظل أدواتكم الإعلامية مجرد “ظواهر صوتية” تم حظرها بضغطة زر لأن حماية العقول لا تقل أهمية عن حماية الحدود ولأن معايير الغرب المزدوجة باتت مكشوفة ومنحطه لدرجة تثير السخرية قبل الاشمئزاز.

 

 

 

عقيد/ حاتم صابر

خبير مقاومة الإرهاب الدولي وحرب المعلومات .

تم نسخ الرابط بنجاح!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى