رياضة

فلسطين في قلوبنا… والكأس تحت أقدامنا

بقلم: ناصر السلاموني
لم تكن مباراة مصر والأرجنتين في دور الـ16 من كأس العالم مجرد مواجهة كروية، بل تحولت إلى قضية رأي عام تجاوزت حدود المستطيل الأخضر، بعدما أثارت بعض القرارات التحكيمية جدلًا واسعًا بين الجماهير ووسائل الإعلام والمحللين، ودفعت كثيرين إلى التساؤل: هل ما زالت العدالة هي الركيزة الأساسية في أكبر بطولة كروية، أم أن الرياضة أصبحت أكثر تأثرًا بالسياسة والإعلام والضغوط المختلفة؟
ولا أحد ينكر عراقة المنتخب الأرجنتيني ولا مكانته في تاريخ كرة القدم، كما لا يجادل أحد في حقه المشروع في المنافسة والفوز. لكن احترام المنافس لا يتعارض مع المطالبة بالشفافية وتكافؤ الفرص، فالاعتراض لم يكن على هوية الفائز، وإنما على قرارات تحكيمية رأى كثيرون أنها أثرت في مجريات اللقاء.
فقد أثار إلغاء هدف للمنتخب المصري بعد مراجعة تقنية الفيديو، إلى جانب الجدل بشأن بعض الحالات داخل منطقة الجزاء، نقاشًا واسعًا حول حدود تدخل تقنية (VAR). ورأى عدد من المحللين أن الإفراط في استخدامها قد يغيّر طبيعة اللعبة، ويجعل الجدل التحكيمي هو العنوان الأبرز للمباريات بدلًا من الأداء داخل الملعب.
ومن هذا المنطلق، جاءت مطالب الجماهير المصرية بمراجعة أداء طاقم التحكيم، وإصدار توضيح رسمي بشأن القرارات المثيرة للجدل، وتعزيز الشفافية في استخدام تقنية الفيديو، باعتبارها دعوة لحماية مصداقية البطولة، وليس اعتراضًا على نتيجة المباراة.
ولم يقتصر المشهد على الجوانب الرياضية، بل حمل أيضًا رسائل إنسانية وسياسية. فقد رفع المدير الفني للمنتخب المصري، الكابتن حسام حسن، علم فلسطين تعبيرًا عن تضامنه مع الشعب الفلسطيني، في موقف لقي تقديرًا واسعًا في العالم العربي. وفي المقابل، ظهرت في مدرجات المباراة جماهير أرجنتينية ترفع العلم الإسرائيلي، لتتداخل الرسائل السياسية مع الحدث الرياضي.
وهنا يبرز تساؤل مشروع: إذا كانت المؤسسات الرياضية تؤكد أن الرياضة يجب أن تبقى بعيدة عن السياسة، فهل يُطبَّق هذا المبدأ على الجميع بالمعايير نفسها؟ أم أن بعض الرسائل تُقبل بينما تُرفض أخرى؟ إن الإجابة عن هذه التساؤلات تتطلب قدرًا أكبر من الوضوح والاتساق في تطبيق المبادئ.
وامتد الجدل إلى الدوائر الإعلامية والسياسية، بما يعكس حجم الاهتمام العالمي بالمباراة وما رافقها من أحداث، ويؤكد أن كأس العالم لم يعد مجرد بطولة رياضية، بل أصبح حدثًا عالميًا تتقاطع فيه الرياضة مع السياسة والإعلام والرأي العام.
ورغم مرارة الخروج، فقد خرج المنتخب المصري مرفوع الرأس، بعدما قدّم لاعبوه أداءً مشرفًا، وأثبت الجهاز الفني بقيادة الكابتن حسام حسن أن الكرة المصرية قادرة على منافسة كبار المنتخبات بروح قتالية وإصرار يستحقان التقدير.
إن قيمة كأس العالم لا تُقاس بالملاعب العملاقة أو العوائد التجارية أو نسب المشاهدة، بل بثقة الجماهير في أن العدالة تُطبَّق على الجميع دون استثناء، وأن اسم المنتخب أو تاريخه أو شعبيته لا يمنحه امتيازًا على حساب منافسيه.
قد تخسر مصر مباراة، لكن الأخطر أن تهتز ثقة الجماهير في العدالة التحكيمية، فالعدالة هي الكأس الحقيقية، وإذا اهتزت، اهتزت معها قيمة البطولة بأكملها.
أما فلسطين، فستظل في قلوبنا، لأنها بالنسبة إلى ملايين العرب قضية إنسانية وأخلاقية قبل أن تكون قضية سياسية. وسيظل التضامن معها حقًا مشروعًا لا ينتقص من انتمائنا الرياضي، ولا يتعارض مع احترامنا لقواعد المنافسة العادلة.

تم نسخ الرابط بنجاح!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى