
بقلم د/ نورهان عبد المجيد
متحف كفر الشيخ.. ست سنوات من حراسة تاريخ الدلتا وإحياء ذاكرة عواصم مصر القديمة
تُحيي الأوساط الأثرية والثقافية، اليوم، الذكرى السادسة لافتتاح متحف كفر الشيخ القومي، والذي يُعد واحدًا من أبرز الصروح المتاحفية التي أقامتها الدولة المصرية في السنوات الأخيرة ليكون نافذة حضارية تسلط الضوء على الإرث التاريخي الغني لمنطقة الدلتا عبر العصور، ومركزًا تنويريًا يربط الأجيال الحديثة بجذورهم الهوية العريقة.
منذ أن افتتحه الرئيس عبد الفتاح السيسي في الحادي والثلاثين من أكتوبر عام 2020، نجح المتحف في إعادة رسم الخريطة السياحية للوجه البحري، مبرزًا الدور المحوري الذي لعبته محافظة كفر الشيخ في التاريخ المصري القديم، لا سيما وأنها كانت تضم عاصمتين من أقدم العواصم السياسية والدينية في العالم؛ وهما مدينة “بوتو” (تل الفراعين حاليًا) عاصمة مملكة الشمال، ومدينة “سخا” الشهيرة.
سيناريو عرض يروي أسرار المعرفة والصراع
يتميز متحف كفر الشيخ بسيناريو عرض متحفي مبتكر، يتجاوز الفكرة التقليدية لعرض القطع الأثرية إلى تقديم سردية متكاملة للحياة الدينية، والسياسية، والاجتماعية، والثقافية للمصريين القدماء. وينقسم العرض داخل قاعات المتحف الرئسية إلى ثلاثة محاور أساسية:
* تاريخ مدينة بوتو وعواصم الدلتا: حيث يضم المتحف مقتنيات نادرة تُحاكي الأهمية الدينية والسياسية لمدينة بوتو، والصناعات التي اشتهرت بها مثل صناعة الفخار والبردي.
* العلوم والطب والطب الشرعي: ويسلط هذا المحور الضوء على تفوق المصري القديم في العلوم الطبية، والصيدلة، والهندسة، عبر عرض أدوات جراحية ومخطوطات علمية تثبت ريادة الفراعنة في هذه المجالات.
* أسطورة إيزيس وأوزوريس والصراع: وهي الواجهة التعبيرية الأكثر جذبًا للزوار، حيث تُعرض تماثيل وقطع تحكي القصة الأسطورية الأشهر في التاريخ القديم، والتي دارت بعض فصولها على أرض الدلتا.
تنوع حضاري يمتد عبر آلاف السنين
لا تقتصر مقتنيات المتحف على العصر الفرعوني فحسب، بل يضم قطعًا أثرية فريدة توثق تتابع الحضارات على أرض مصر؛ بدءًا من الآثار اليونانية والرومانية، مرورًا بالفن القبطي ومقتنياته الكنسية، وصولاً إلى العصر الإسلامي بما يحويه من قطع خَزفية، وعملات، ومخطوطات نادرة تعكس الازدهار الثقافي للدلتا في تلك الحقبة.
مركز ثقافي ومجتمعي نابض
على مدار ست سنوات، لم يكتفِ متحف كفر الشيخ بدور المستقبل للزائرين، بل تحول إلى مؤسسة مجتمعية فاعلة من خلال تنظيم الورش التعليمية للأطفال، والمعارض الفنية المؤقتة، والندوات الثقافية، مما ساهم بشكل مباشر في رفع الوعي الأثري وتنمية الولاء والانتماء لدى شباب المحافظة والمحافظات المجاورة.
ويقف متحف كفر الشيخ اليوم، في ذكرى افتتاحه السادسة، شاهدًا على عظمة التاريخ المصري، ومجسدًا لاستراتيجية الدولة في نشر الثقافة والعدالة المعرفية في مختلف محافظات الجمهورية، ليظل هذا الصرح منارة تضيء تاريخ الدلتا العريق، وتستقبل عشاق التراث من كل حدب وصوب




