
كتبت د/نورهان عبد المجيد
سوهاج – تقرير خاص

في عمق صعيد مصر، وتحديداً في منطقة العرابة المدفونة بمدينة البلينا في سوهاج، تقبع واحدة من أكثر التحف الهندسية غموضاً وإثارة للجدل في العالم القديم. خلف معبد الملك سيتي الأول مباشرة، وعلى عمق يصل إلى نحو 18 متراً تحت مستوى سطح الأرض، يقع معبد الأوزريون، الذي لا يزال يشكل لغزاً مفتوحاً أمام علماء الآثار والمهندسين على حد سواء، ممتزجاً بأساطير البعث وعقائد الخلود.
عمارة مغلثية فريدة تتحدى الزمن
يمتاز الأوزريون بتصميم معماري استثنائي لا يشبه المعابد التقليدية لـالدولة الحديثة في مصر القديمة. فقد شُيد المبنى من كتل جرانيتية حمراء ضخمة، جُلبت خصيصاً من محاجر أسوان البعيدة، ويزن بعض هذه الكتل أكثر من 100 طن. التصميم الهندسي يعتمد على أسلوب “البناء المغلثي” الضخم بأسلوب هندسي دقيق يخلو من الملاط (الأسمنت القديم)، مما دفع بعض الباحثين للمقارنة بينه وبين معبد الوادي بجوار أبو الهول في الجيزة، فاتحين الباب أمام تساؤلات كبرى حول تاريخ بنائه الفعلي وعما إذا كان يعود لعصور أقدم بكثير من عصر سيتي الأول.
يتكون المعبد هيكلياً من منصة صخرية مركزية تشبه “الجزيرة”، تحيط بها قنوات مائية تتدفق من ينابيع جوفية طبيعية بشكل دائم. وحول هذه الجزيرة، ترتفع عشرة أعمدة مربعة من الجرانيت الوردي كانت تحمل في الماضي سقفاً من البلاطات الحجرية العملاقة التي تلاشت بفعل الزمن، بينما يمتد خلف الصالة الرئيسية ممر طويل بطول يقارب 60 متراً، مغطى بنقوش جنائزية متكاملة لـ”كتاب البوابات” و”كتاب الموتى”.
سر المياه الجوفية والرموز العقائدية
وفقاً للدراسات الأثرية المنشورة في موسوعة بريتانيكا، فإن هذا التصميم المائي الفريد لم يكن بمحض الصدفة أو خطأ هندسياً أسفر عن غرق المبنى، بل كان خياراً تصميمياً واعياً. يعتقد العلماء أن القناة المائية التي تحيط بالمنصة المركزية ترمز إلى “مياه النون الأزلية” في الميثولوجيا المصرية؛ وهي المياه التي انبثق منها التل الأول لنشأة الكون.
من هنا، كان الأوزريون بمثابة قبر رمزي للإله “أوزوريس”، إله البعث والحساب والعالم الآخر. ولذلك كانت أبيدوس تمثل مركز الحج الديني الأهم للمصريين القدماء الراغبين في نيل بركة إله البعث لضمان الخلود في الحياة الثانية.
جدل تاريخي حول الهوية والتأريخ
اكتُشف المبنى لأول مرة في عام 1902 بواسطة عالم الآثار الشهير فلندرز بتري ومساعدته مارغريت موراي، ومنذ ذلك الحين لم يتوقف النقاش الأثري. يرى تيار واسع من الأثريين أن المعلم شُيد بالكامل كجزء من المجمع الجنائزي للملك سيتي الأول ليكون بمثابة نصب تذكاري مهيب (Cenotaph) يربطه بالآلهة. وفي المقابل، تطرح آراء مغايرة فرضية أن سيتي الأول ربما وجد هذا البناء القديم مدفوناً تحت الرمال، فقام بترميمه وتوسيع معبده الخاص ليتكامل معه.
ونظراً للقيمة التاريخية الفريدة والأسرار غير المكتشفة بالكامل بسبب استمرار تدفق المياه الجوفية، يعد الأوزريون من المواقع الأثرية الأعلى قيمة وتفرداً، وتفرض وزارة السياحة والآثار شروطاً ورسوماً خاصة لفتحه أمام الزيارات النوعية والبعثات المتخصصة.
يبقى الأوزريون شاهداً حياً على عبقرية مصرية قديمة استطاعت الدمج بين أقصى درجات الإعجاز الهندسي وأعمق التصورات الفلسفية عن الموت والحياة، منتظراً ما ستسفر عنه الأبحاث الجيولوجية والأثرية القادمة لفك طلاسم النهر الباطني الذي يغذي أركانه منذ آلاف السنين.




