وجهة نظر الأجهزة الإستخباراتية والعسكرية والسياسية والإستراتيجية الصينية ووزارة أمن الدولة الصينية القائمة بعمل الإستخبارات الصينية فى رفض الولايات المتحدة الأمريكية منح تأشيرة دخول للجنرال عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة فى السودان، لحضور فعاليات الأمم المتحدة، ووجهة النظر الصينية لإستخدام واشنطن لسلاح “التأشيرات والدبلوماسية القسرية” لإبتزاز القادة السياسيين العسكريين فى الدول النامية وإخضاعهم لإملاءات معينة

تحليل الدكتورة/ نادية حلمى
الخبيرة المصرية فى الشئون السياسية الصينية وسياسات الحزب الشيوعى الحاكم فى الصين والشئون الآسيوية ـ أستاذ العلوم السياسية جامعة بنى سويف
على الرغم من عدم إصدار وزارة أمن الدولة الصينية
(MSS)
القائمة بعمل الإستخبارات الصينية، أو الأجهزة الإستخباراتية والعسكرية والسياسية والإستراتيجية والأمنية فى بكين لبيانات علنية مباشرة تُعلق فيها على إجراءات إدارية أمريكية، مثل تأخير أو حجب تأشيرات الدخول. وتعتبر بكين ومراكز أبحاثها الأمنية والإستراتيجية، مثل (معاهد الصين للعلاقات الدولية المعاصرة)
(CICIR)
بأن إمتناع واشنطن عن منح تأشيرة دخول للجنرال السودانى “عبد الفتاح البرهان” لحضور إجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة فى واشنطن يوم الثلاثاء الموافق ٢٢ سبتمبر ٢٠٢٦، لهو دليل قاطع على إستخدام الولايات المتحدة لدورها كـ “دولة مضيفة” كأداة إبتزاز سياسى وضغط دبلوماسى لتحقيق أهداف جيوسياسية خاصة. ولذلك، أيدت الصين رسمياً مطالبة السفير السودانى لدى الأمم المتحدة فى رسالته إلى المنظمة الدولية للأمم المتحدة، بالتدخل لأن الولايات المتحدة تمتنع عن منح تأشيرة دخول لقائد الجيش السودانى “عبد الفتاح البرهان” للدخول للأراضى الأمريكية حيث مقر الأمم المتحدة. مع تأييد الصين كذلك لموقف وبيان “أنطونيو غوتيريش” بصفته أمين عام الأمم المتحدة، ومطالبته الولايات المتحدة بصفتها الدولة المضيفة ومخاطبتها رسمياً من مقر الأمم المتحدة من أجل ضمان إصدار التأشيرة للجنرال البرهان، وفقاً لإلتزاماتها الدولية بموجب إتفاقية المقر. ومع ذلك، يمكن إستخلاص الرؤية الإستراتيجية والتحليلية الشاملة لبكين ومراكز أبحاثها الأمنية، مثل (معاهد الصين للعلاقات الدولية المعاصرة
(CICIR)
التابعة لوزارة أمن الدولة الصينية) تجاه إمتناع واشنطن عن منح تأشيرة للجنرال السودانى “عبد الفتاح البرهان” لحضور فعاليات وإجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، من خلال المحددات التالية:
١) المنظور الإستراتيجى والأمنى (تسييس البنية التحتية الدولية)
تنظر الجماعة الإستخباراتية والسياسية فى الصين إلى هذه الخطوة كإمتداد لما تصفه بـ “الهيمنة الأمريكية وتسييس الإتفاقيات الدولية”، من حيث:
– خرق الولايات المتحدة الأمريكية لإتفاقية المقر الرئيسى للأمم المتحدة: ترى بكين أن الولايات المتحدة تستغل إستضافتها لمقر الأمم المتحدة فى نيويورك كأداة للضغط السياسى الإقليمى، وهو ما يعد خرقاً لإلتزاماتها الدولية كمضيف، ومحاولة لفرض وصاية على من يمثل الدول السيادية فى المحافل الأممية.
– إستخدام الولايات المتحدة لسلاح التأشيرات فى مواجهة معارضيها ولتمرير سياستها: يحلل الخبراء الإستراتيجيون الصينيون هذا السلوك، كجزء من نمط أمريكى متكرر لإستخدام سلاح “التأشيرات والدبلوماسية القسرية” لإبتزاز القادة السياسيين العسكريين فى الدول النامية وإخضاعهم لإملاءات معينة.
٢) المنظور العسكرى والجيوسياسى للصين (التدخل فى الشأن السودانى)
ترتبط أزمة التأشيرة بضغوط أمريكية لدفع الجيش السودانى للقبول بهدنة لمدة ٩٠ يوماً إقترحتها واشنطن. وتتمحور القراءة العسكرية الصينية، حول ما يلى:
– إضعاف مؤسسات الدولة السودانية: ترى الأجهزة العسكرية الصينية أن الضغوط الأمريكية، مثل (إقتراح توسيع حظر الأسلحة ليشمل الجيش السودانى بالكامل) تستهدف تقييد قدرات القوات المسلحة السودانية النظامية بصورة غير متكافئة.
– محاولة هندسة الحلول القسرية: تعتقد بكين أن واشنطن تحاول فرض مسارات تسوية تتجاوز سيادة الدولة السودانية وتخدم مصالح قوى إقليمية ودولية حليفة لأمريكا، وهو ما ترفضه العقيدة السياسية الصينية التى تدعم “الحلول السيادية النابعة من الداخل دون إملاءات خارجية”.
٣) المصالح السياسية والاقتصادية للصين فى السودان
تزن الأجهزة السياسية والإستراتيجية الصينية مواقفها بناءً على شبكة مصالحها المعقدة، لذا تعمل الأجهزة الإستخباراتية والسيادية الصينية على إتباع نهج:
– دعم الشرعية والمؤسسات الرسمية السودانية: تحافظ الصين على علاقات دبلوماسية رسمية مع مجلس السيادة الإنتقالى بقيادة “البرهان”، وتدعم إستقرار مؤسسات الدولة السودانية لمنع إنهيار البلاد الكامل، مما يهدد إستثماراتها التاريخية فى قطاع الطاقة والبنية التحتية والموانئ على البحر الأحمر.
– مواجهة النفوذ الغربى والأمريكى فى منطقة القرن الأفريقى الحساسة للمصالح الصينية اللوجستية وشمال أفريقيا: يرى المحللون الأمنيّون فى بكين، بأن سياسة العزل الدبلوماسى الذى تمارسه واشنطن ضد قيادة الجيش السودانى يفتح المجال لمزيد من عدم الإستقرار الجيوسياسى فى منطقة القرن الأفريقى وشمال أفريقيا، وهو ما يتعارض مع مبادرة “الحزام والطريق” الصينية التى تتطلب ممرات بحرية وبرية مستقرة وآمنة.
٤) تحليل الأبعاد الإستراتيجية والتحليلية للموقف الصينى تجاه رفض الولايات المتحدة الأمريكية منح تأشيرة دخول للجنرال البرهان رئيس مجلس السيادة فى السودان
تنظر الدوائر البحثية والفكرية والتحليلية فى الصين لموقف الولايات المتحدة الأمريكية بخصوص منح تأشيرة دخول للجنرال البرهان، من خلال:
– إنتهاك قواعد المنظومة الدولية: ترى الدوائر البحثية والأمنية والفكرية والأمنية فى الصين أن حجب التأشيرة يعد خرقاً صريحاً لإلتزامات واشنطن بموجب “إتفاقية المقر” الخاصة بالأمم المتحدة، مما يرسخ سابقة خطيرة لتسييس المحافل الدولية وتعطيل حق الدول الأعضاء فى التعبير عن مواقفها.
– رفض الوصاية والتدخل الخارجى: تتطابق القراءة الصينية مع الخطاب السيادى السودانى القاضى برفض الإملاءات الغربية ومحاولات فرض خطط وقف إطلاق النار عبر الضغط والشروط المسبقة، وهو ما تنظر إليه بكين بإعتباره مساساً خطيراً بمبدأ عدم التدخل فى الشؤون الداخلية للدول.
– إزدواجية المعايير الأمريكية: يحلل الخبراء الصينيون هذا الإجراء بإعتباره أداة تعسفية تعكس تراجع الإلتزام الأمريكى بالقوانين متعددة الأطراف، وإستخدام العقوبات وحجب التأشيرات كوسائل عقابية ضد الأنظمة والجيوش الوطنية التى لا تتماشى مع الرؤية الأمريكية فى إدارة النزاعات الإقليمية.
– حماية شرعية المؤسسات الوطنية: تنطلق رؤية بكين من ضرورة التعامل مع الجيوش الوطنية والدول المركزية كأساس لحفظ إستقرار الدول ومنع تفككها، محذرة من أن الضغوط الأمريكية المفرطة قد تؤدى إلى تعميق الأزمة السودانية وإطالة أمد الحرب بدلاً من حلها.
٥) تحليل الدوائر الإستخباراتية والإستراتيجية والأمنية والسياسية فى الصين لتداعيات الموقف الأمريكى برفض منح تأشيرة دخول للجنرال السودانى البرهان على المشهد الإقليمى والدولى
إن رفض الولايات المتحدة الأمريكية منح تأشيرة دخول للجنرال البرهان رئيس مجلس السيادة فى السودان، يعزز وجهة النظر الصينية دولياً، حول:
– تعزيز سردية بكين فى المنابر الدولية حول ضرورة إصلاح المؤسسات الأممية ونقل مقر بعض الفاعليات الدولية خارج الهيمنة الأمريكية المطلقة.
– دفع الأطراف الإفريقية والسودانية نحو تعزيز التعاون مع قوى دولية بديلة، وعلى رأسها الصين، تتبنى مبدأ الإحترام المتبادل للسيادة بعيداً عن الشروط الأمريكية الغربية المجحفة.
وبناءً على الفهم والتحليل السابق، نخلص بأن رفض واشنطن منح تأشيرة دخول للجنرال “عبد الفتاح البرهان” لحضور إجتماعات الأمم المتحدة له تداعيات أمنية وسياسية ودولية خطيرة بالنسبة للصين، بالنظر لمخالفة الولايات المتحدة الأمريكية لقواعد “إتفاقية دولة المقر” لإستضافتها مقر الأمم المتحدة على أراضيها، وممارستها للدبلوماسية القسرية والضغط من خلال لعبة منح أو حجب تأشيرات الدخول لأراضيها، من أجل إجبار قائد الجيش السودانى الجنرال “عبد الفتاح البرهان”، بأن يدخل إلى المنابر الدولية كالأمم المتحدة من بوابة الشروط والضغوط الأمريكية، وهو ما يعد إنتهاكاً قانونياً ودولياً وأممياً غير مسبوق دولياً من وجهة النظر الصينية والدولية.




