مقالات و تقارير

رقعة الشطرنج الإقليمية: حرب المحاور وتوظيف الأزمات

 

 

​

​بقلم: أحمد عادل

 

كيف تخدم الأجندة الإيرانية أطماع إسرائيل في إضعاف الدول العربية والسيطرة على الموارد؟

​لا يمكن قراءة التحركات العسكرية والدبلوماسية في حوض شرق المتوسط بمعزل عن اللوحة الإقليمية الأوسع التي تعيد رسم خارطة النفوذ في الشرق الأوسط. فبينما تقف مصر بحزم لحماية سيادتها المائية في مواجهة التداعيات المحتملة للترسيم البحري بين تركيا وليبيا، فإنها تواجه في الوقت ذاته منظومة معقدة من التحديات المتقاطعة؛ بدءًا من تأمين عمقها الاستراتيجي في الخليج العربي بالشراكة مع المملكة العربية السعودية، وصولًا إلى التعامل مع سياسات الردع والتوتر مع إيران، في مشهد يحول القاهرة إلى محور التوازن الأساسي وسط إقليم ملتهب تسعى قوى كبرى وإقليمية لتشكيله وفق مصالحها.

​أولًا: المتوسط المشتعل.. تداخل الحدود ومخاطر تقاطع المصالح

​على رقعة المياه الاقتصادية لشرق المتوسط، تبرز خطوط التداخل والتقاطع كاختبار حقيقي للأمن القومي المصري؛ حيث تتقاطع خطوط الاتفاقية التركية-الليبية مع مناطق الترسيم المصري-اليوناني لعام 2020.

​هذا التقاطع، وإن حمل في طياته أبعادًا تعرقل مشاريع الغاز الإسرائيلي-اليوناني المنافسة لمصر، إلا أن القاهرة سارعت لإصدار بيان قاطع وحاسم يرفض أي مساس بحدودها المعلنة أو الإحداثيات القانونية الموثقة، مؤكدة أن أمنها المائي ومناطقها الاقتصادية خط أحمر لا يقبل المساومة.

​ثانيًا: البعد الخليجي.. أمن السعودية خط أحمر والامتداد الجنوبي

​لا تتوقف التحديات عند حدود المتوسط الشمالية الغربية، بل تمتد بعمق نحو الخليج العربي والبحر الأحمر، حيث تتعامل مصر مع التهديدات المستمرة التي تستهدف استقرار المملكة العربية السعودية وحرية الملاحة في باب المندب وخليج العقبة:

​ثابت استراتيجي: تؤكد الدبلوماسية المصرية والمؤسسات العسكرية باستمرار أن «أمن السعودية خط أحمر»، ويتجسد ذلك في التنسيق الأمني المستمر وتأمين الممرات البحرية الحيوية، باعتبار الخليج والبحر الأحمر امتدادًا عضويًا للأمن القومي المصري.

​إدارة التحالفات بحكمة: يتجلى الثقل المصري في رفض الانخراط العشوائي في أي ترتيبات بحرية متعددة الجنسيات لا تخدم الاستقرار الشامل أو تمر عبر الأطر الدستورية والقانونية والمؤسسية الصارمة، مع الحفاظ على التضامن المطلق مع الرياض في مواجهة أي اعتداءات خارجية.

​ثالثًا: الوجه الخفي للصراع.. هل تنفذ إيران أجندة تخدم المصالح الإسرائيلية؟

​أمام المشهد الشرقي، تبرز واحدة من أكثر الطروحات إثارة للجدل والعمق الاستراتيجي، وهي فرضية أن السياسات الإيرانية — سواء بشكل مقصود أو عبر تداعياتها المدمرة — تحقق لإسرائيل أهدافها الاستراتيجية الكبرى في المنطقة.

​وعلى الرغم من الشعارات الصريحة والعداء المعلن بين طهران وتل أبيب، فإن الناتج النهائي للممارسات الإيرانية يصب بشكل مباشر في خدمة المشروع الإسرائيلي المتمثل في إضعاف الدول العربية، ونهب مواردها، وتهيئة الظروف لضم أراضٍ جديدة وتحقيق أوهام التوسع الإقليمي:

​تفكيك الدول العربية وإلهاء الجيوش الوطنية: أدى التمدد الميليشياوي الإيراني في عواصم عربية مركزية إلى إنهاك مؤسسات الدولة وتفكيك نسيجها الوطني، وهو ما يحقق لإسرائيل حلمها الأبدي في التفوق المطلق والظهور بمظهر «الواحة المستقرة» وسط محيط من الكيانات الممزقة والفاشلة.

​تبرير العدوان والتوسع الإسرائيلي: يمنح وجود «التهديد الإيراني» وأذرعه الحدودية الذريعة الدائمة لتل أبيب لتسريع مشاريعها التوسعية، واستيطان الأراضي العربية، وفرض واقع دموي جديد تحت غطاء «التهديد الوجودي»، فضلاً عن تحويل بوصلة الاهتمام الدولي عن الحقوق الفلسطينية المشروعة.

​التخريب الاقتصادي وضرب سلاسل الإمداد: تساهم الفوضى التي تقودها الأطراف الإقليمية في تخريب الممرات المائية الحيوية، مما يضر باقتصادات الدول العربية الكبرى (وعلى رأسها مصر وقناة السويس)، ويخدم في المقابل تطلعات إسرائيل في إنشاء ممرات وطرق تجارية وطاقة بديلة تتجاوز العمق العربي.

​العدو الوظيفي: تاريخياً وجيوسياسياً، تُشكل إيران «العدو الوظيفي» المثالي الذي تعتمد عليه إسرائيل لتبرير أمنها الداخلي وتسليحها المفرط، بينما يتركز ثمن الصراع ودماره على البنية التحتية والمقدرات العربية وحدها، في حين يخرج العمق الإسرائيلي سالمًا نسبيًا.

​رابعًا: الاستراتيجية المصرية الكبرى.. إدارة الصراعات بلا استنزاف

​تواجه مصر اليوم حزمة من الأزمات المركبة والمترابطة:

​في الشمال: ضغوط اتفاقيات ترسيم الحدود (تركيا-ليبيا) وتقاطعها مع المياه المصرية-اليونانية.

​في الشرق والجنوب: أزمات البحر الأحمر، وتأمين الملاحة، والتوترات المستمرة مع إيران وأذرعها التي تخدم بطريقها الأطماع الإسرائيلية.

​في الخليج: الالتزام المطلق بالأمن المشترك والتنسيق الاستراتيجي مع المملكة العربية السعودية.

​خلاصة المشهد

​تُدار السياسة الخارجية والأمن القومي المصري بعقيدة «الردع الرشيد والدبلوماسية الخشنة»؛ فلا تسمح بتجاوز خطوطها الحمراء في المتوسط، ولا تفرط في شراكاتها الاستراتيجية بالخليج، وتدرك بوعي عميق خطورة الأجندات الإقليمية التي تستهدف تمزيق الأمة العربية ونهب مقدراتها.

​إنها لوحة معقدة من صراع المحاور، تثبت فيها القاهرة كل يوم أنها حجر الأساس الباقي لضمان استقرار الشرق الأوسط وحماية أمنه القومي ضد كافة أشكال الهيمنة والاستنزاف.

تم نسخ الرابط بنجاح!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى