
كتبت د : غادة محفوظ
من خلال خبرتي كباحثة مجتمعية، أرى أن الحياة داخل أي مجتمع تقوم على توازن دقيق بين الأحوال المعيشية والأحوال الشخصية، وإذا اختل أحدهما تأثر الآخر بشكل مباشر. وربما لا يكون الحديث الآن عن الأوضاع الاقتصادية، لكن الحديث الأهم اليوم هو عن قانون الأحوال الشخصية، لأنه يمس استقرار الأسرة المصرية بصورة مباشرة.
ومن وجهة نظري، فإن أول خطوة حقيقية للإصلاح يجب أن تبدأ قبل الزواج نفسه، وليس بعد وقوع الخلافات والانفصال. فإجراءات الزواج في كثير من الأحيان أصبحت إجراءات شكلية، بينما الواقع بعد الأيام الأولى من الزواج يكشف الكثير من الأزمات والأمراض النفسية والجسدية التي لم يكن هناك وعي أو استعداد حقيقي للتعامل معها قبل الارتباط.
لذلك نحن نحتاج إلى تطبيق قواعد ملزمة في عملية الزواج، تتضمن التأهيل النفسي والاجتماعي والتوعية الحقيقية للطرفين، حتى نستطيع تفادي كثير من العواقب السلبية التي تتحول لاحقًا إلى صراعات أسرية وقضايا داخل المحاكم. فالمشكلة في رأيي ليست فقط في وجود القوانين، بل في الفجوة بين سقف التشريع وأرض التطبيق.
لدينا قوانين كثيرة موجودة بالفعل، لكنها أصبحت قوانين مهجورة تفتقد إلى آليات التنفيذ الحقيقية، وهو ما يجعل المواطن يشعر أحيانًا بأن النص القانوني منفصل عن الواقع المجتمعي.
كما أنني أرى أن قوانين الأحوال الشخصية في كثير من الدول العربية استطاعت أن تحقق سرعة أكبر في إجراءات التقاضي المتعلقة بحقوق الزوجة والأطفال، حيث لا تستغرق بعض القضايا أكثر من شهر إلى خمسة وأربعين يومًا، بينما ما زلنا في مصر نعاني من طول الإجراءات وتعقيداتها، وهو ما يضاعف حجم الأزمة النفسية والاجتماعية داخل الأسرة.
والحقيقة أن قانون الأحوال الشخصية لم يشهد تحديثًا حقيقيًا منذ سنوات طويلة، باستثناء تعديلات عام 2000، بينما المجتمع نفسه تغيّر، وطبيعة العلاقات الإنسانية تغيّرت، وأصبحت هناك تحديات اجتماعية ونفسية جديدة تحتاج إلى رؤية أكثر واقعية ومرونة.
وفيما يخص قانون الخلع، فأنا أرى أننا لابد أن نخرج من أزمة الوصم المجتمعي المرتبط به، لأن الخلع في الأساس آلية قانونية وشرعية للمخالعة بين الرجل والمرأة، كما حدث في واقعة ثابت بن قيس، وبالتالي لا يجب التعامل معه باعتباره وصمة ضد المرأة.
لكنني، كخبيرة اجتماعية، أرفض الخلع الغيابي، وأرفض عدم إعلام الزوج أو غيابه الكامل عن إجراءات تؤثر على كيان الأسرة، وأرى أن عدم إعلانه يخلق خللًا قانونيًا واجتماعيًا ويؤثر على استقرار العلاقة الأسرية، لذلك يجب أن تكون هناك ضمانات واضحة للإخطار والإعلان الحقيقي حفاظًا على حقوق جميع الأطراف.
كما أنني أؤمن بأن كل أسرة لها ظروفها الخاصة، وكل حالة تختلف عن الأخرى، لذلك لا يمكن التعامل مع جميع القضايا بمنطق واحد أو أحكام ثابتة متشابهة. ولهذا يجب أن تكون هناك مساحة تقديرية حقيقية للقاضي، حتى يتمكن من النظر لكل حالة بشكل إنساني واجتماعي ونفسي، مع وضع مصلحة الطفل في المقام الأول دائمًا.
فالطفل ليس أداة ضغط، وليس طرفًا في معركة بين الأب والأم، بل هو الضحية الأولى لأي صراع أسري، ولذلك يجب أن يكون الهدف الأساسي من أي تعديل قانوني هو حماية الطفل والحفاظ على التوازن النفسي والاجتماعي للأسرة المصرية


