
كتبت : د. ليلى الهمامي
ثمة إشكال بنيوي عميق ينخر الوعي العربي، إشكال يتعلق بكيفية إقامة تلك المعادلة الدقيقة بين النظام والحرية.
يبرز هذا الإشكال كلما ارتفع صوت الاحتجاج، وكلما طرق النقد أبواب السلطة، وكلما نزل الناس إلى الشارع في حراك اجتماعي.
في خضم هذا الجدل، يبرز على الدوام هاجس جوهري لا يمكن القفز عليه: هاجس الدولة. هاجس ضمان استمرارية المرافق العمومية التي لا يعيش المواطن البسيط إلا بها، وهاجس حماية الممتلكات العامة والخاصة، وحماية الأرواح من أن تنزلق لحظة الغضب الجماهيري إلى فوضى عمياء، تأكل الأخضر واليابس.
وهذا بالضبط ما كشفه النقاش السياسي المحتدم اليوم في فرنسا، أم الديمقراطيات. النخبة السياسية هناك، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، مجمعة اليوم على ضرورة إقامة سور عالٍ وفاصل حاد بين مفهومين لا يلتقيان: بين الاحتجاج المشروع والتخريب الممنهج، بين حق النقد الشريف وجريمة الهدم. فهناك من يندس في كل حراك اجتماعي، كالطفيلي، ليحط من قيمته الأخلاقية ويدفعه دفعا نحو ما هو منحط ومستهجن ومشين.
ومن الضروري أن نؤكد هنا، بلا مواربة، أن حق الاحتجاج والنقد والتظاهر حق دستوري أصيل، مضمون ومكفول لكل المواطنين بلا استثناء، لكنه مشروط بشرط واحد جوهري: وجود نظام وترخيص.
هذه هي القاعدة الذهبية في كل دول العالم، وعلى هذا يجب أن نتفق، لأن سوء الفهم في العالم العربي قد بلغ مبلغا خطيرا. ففي كل عواصم الدنيا، من واشنطن إلى لندن وباريس وبرلين، لا يمكن لأي تجمع أن يمر دون ترخيص مسبق، وتملك الدولة عبر وزارة الداخلية حقها السيادي الكامل في الترخيص أو منع الترخيص، حماية للنظام العام. فلماذا نعتبر هذا الإجراء سياديا هناك، ونعتبره قمعا واستبدادا عندنا؟
وهذا السوء الفهم الخطير تغذيه ليل نهار الصحافة الغربية نفسها، بازدواجية معايير فجة. فحين تمنع السلطات الفرنسية مظاهرات تضامنية مع فلسطين، فهذا يسمى “حفاظا على الأمن القومي”. وحين تمنع السلطات الألمانية أي نقد لإسرائيل، فهذا يسمى “حماية للقيم”. أما حين تمنع دولة عربية مظاهرة غير مرخصة قد تتحول إلى نهب وتكسير، فسرعان ما ترفع تلك الصحافة نفسها شعار الاستبداد والتضييق على الحريات في وجه الحكومات العربية.
والواقع الذي يحاولون إخفاءه أن حرية التعبير في الغرب ليست مطلقة، بل هي حرية مقيدة بألف قيد وقيد. ألم نشهد مؤخرا في فرنسا كيف وجهت تهمة “تمجيد الإرهاب” إلى نائبة في البرلمان الأوروبي نفسه، ريما حسن، لمجرد أنها عبرت عن موقف سياسي؟ أليس التشكيك في المحرقة جريمة يعاقب عليها بالسجن في فرنسا؟ أليس رفع علم فلسطين في برلين قد يجر صاحبه إلى التحقيق؟ فأين هي الحرية المطلقة التي يحدثوننا عنها؟
علينا إذن أن ننزع القداسة عن النموذج الغربي، وألا نمجده ولا نرفعه إلى مرتبة الآلهة التي لا تخطئ. هذه التجارب السياسية هي تجارب بشرية نسبية، قابلة للنقد والمراجعة والتفكيك، ومن الضروري أن تُنسب إلى سياقها التاريخي والثقافي.
ليست هناك مدرسة واحدة للحقيقة تحتكر الحقيقة المطلقة، حتى وإن كانت للغرب أسبقية تاريخية في بناء مؤسساته الديمقراطية.
لذلك، أؤكد اليوم من صفحتي، أن المعركة الكبرى ليست معركة ترخيص مظاهرة، بل هي معركة تحرير الفكر العربي، والفكر السياسي العربي تحديدا، من عقدة النقص المزمنة التي تسكن النفس العربية وتجعلها تشعر بالدونية الحضارية.
وهذا هو موقفي المبدئي من كل الإشكاليات وكل النقاشات الجارية حاليا على أكثر من منصة إعلامية، في فرنسا وإيطاليا وألمانيا، وفي تونس ومصر والمغرب.
في كل هذه المنابر، علينا ألا نتعاطى مع الأمر على أننا تلاميذ صغار في حضرة معلم أوروبي. لقد انتهى زمن التلمذة. نحن لسنا تلاميذ، نحن أساتذة.




