مقالات و تقارير

لماذا تكره الدولة أبناءها الناجحين؟

 

كتبت د. ليلى الهمامي

لا يوجد في قاموس الألم الإنساني ما هو أقسى من أن يكون الإنسان غريبا مرتين. غريبا في المنفى لأنه يحمل لهجة أخرى أو لهجات، وغريبا في الوطن لأنه حافظ على تلك اللهجة.

هذه هي اللعنة التي كتبت على المهاجر العربي والتونسي.

يخرجون أفواجا، لا حبا في الضباب، ولا عشقا في الثلج. يخرجون لأن تخصصات جامعاتهم لا تفي بطموحاتهم، لأنهم أنجب النجباء، يهاجرون لأن مخابرهم في بلادهم بلا تجهيز، ومصانعهم بلا تشغيل. يخرجون لأن أحدهم يريد أن يعالج أمه، والآخر يريد أن يبني بيتا لأبيه، والثالث يريد كتابا لا يجده في مكتبة الحي. يهاجرون بدافع الشرف، لا بدافع الطمع.

وفي الضفة الأخرى، حيث لا واسطة ولا محسوبية، يحدث ما لا يحدث هنا. هناك، يُسأل الإنسان: ماذا تتقن؟ لا يُسأل: من يكون خالك؟ هناك، يرتقي العربي إلى أعلى المناصب الأكاديمية والمصرفية والدولية، لا لأنه أنكر أصله، بل لأنه احترم قانونهم فاحترموا دينه وعاداته. هناك، في لندن حيث أدرّس في الجامعة، زملائي يخفضون أصواتهم احتراما لصومك ولا يفطرون أمامك، وهناك من ينحني احتراما لبرك بوالدك المريض في تونس، لأنهم قوم فقدوا قيمة العائلة فانبهروا بمن لا يزال متمسكا بها.

ماذا أخذ المهاجر حين أخذ جواز سفر إذاً؟ أخذ ورقة. جواز سفر أزرق أو أحمر أو أبيض وثيقة عبور بين المطارات، لا صك غفران ولا شهادة خيانة… أخذها ليمر، لا ليتنكر… والدليل أنه بقي كما هو… بقي يتحدث بلهجة الحومة والدوار والحي والدشرة، بقي يضحك من نفس النكتة التي كان يضحك منها قبل عشرين سنة، بقي يلبس نفس الذاكرة. حتى إذا عاد إلى وطنه، ضحك عليه أبناء وطنه. قالوا له: أنت قديم، أنت لم تواكب. فيُصدم. في لندن قالوا له أنت عربي، وفي تونس قالوا له أنت إنجليزي. فأين يذهب؟

وهنا تبدأ الجريمة الحقيقية. ليست جريمة الغربة، بل جريمة العودة.

يعود هذا المهاجر، وقد صار عالما في بنك دولي، أو جراحا في مستشفى جامعي، أو خبيرا في وكالة أممية. يعود وفي حقيبته ليس مالا، بل مشروع دولة. رؤية، منهج، علاقات، خطة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. يعود وفي صدره حلما طفوليا بسيط: أن يضع حجرا واحدا صحيحا في هذا البناء المائل.

فمن يستقبله؟
تستقبله طبقة سياسية لم تخرج يوما من مقهى العاصمة. لم تقرأ كتابا بعد الباكالوريا. لم تر كيف يتكتل العالم، وكيف يتسلح، وكيف تتغير خرائط المناخ والمال والحرب. طبقة تخاف من الكفء، من الجديد، كما يخاف الظلام من النور. فتشهر في وجهه السلاح الوحيد الذي تعرفه: التخوين.

أنت خائن لأنك تحمل جوازا آخر… أنت جنّـست فأنت تنكرت لابناء جنسك. أنت عميل لأنك نجحت هناك. أنت غير مرغوب فيك، بل أنت عدو… ونعم أنت ترسل العملة الصعبة لنا هاتها، لكن لا تعد، ابق هناك أيها الوغد.

إنهم لا يتهمونه لأنه فشل، بل لأنه نجح. لأن نجاحه يكشف فشلهم ولأن وطنيته الراسخة طوال تلك السنين تكشف خيانتهم عشرية تلو أخرى. لأن علمه يفضح جهلهم. لأن جوازه الأجنبي يذكرهم بأنهم لم يستطيعوا حتى حجز تذكرة. إنهم يخافون أن يأتي هذا العائد فيبني، فيكتشف الناس أنهم كانوا يهدمون طيلة ستين سنة.

هذه ليست معركة جوازات. هذه معركة وجود.
إن أخطر ما يهدد تونس ليس نقص الرجال، بل محاربة الرجال. ليس هجرة الأدمغة، بل محرقة الأدمغة العائدة. كل الدول المتقدمة بناها أبناؤها العائدون من المهجر. الصين بناها عائدو أمريكا، والهند بناها عائدو بريطانيا. إلا تونس، تريد أن تبنيها بمن لم يغادر مقعده.

يا أهلي، يا أناسنا، إن المهاجر لم يضيع عمره هباء. لقد دفع ثمنا باهظا من البرد والعنصرية والوحدة والحنين، من أجل لحظة واحدة تقول له فيها بلاده: تعال، نحتاجك.
افتحوا له الباب قبل أن يغلق هو قلبه إلى الأبد.

تم نسخ الرابط بنجاح!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى