مقالات و تقارير

لماذا أرسلت مصر قوات دفاعية إلى السعودية؟

بقلم: أحمد عادل

باحث في الشؤون الجيوسياسية والإستراتيجية.
تحول الاستقرار في منطقة البحر الأحمر والخليج العربي إلى ساحة سباق صامت بين مشروعات إعادة رسم النفوذ وسيناريوهات سد الفراغ الإستراتيجي، في ظل تحولات متسارعة أحدثت ارتدادات واسعة على معادلة الأمن القومي العربي. وفي هذا السياق الجيوسياسي المعقد، تأتي خطوة إرسال مصر لقوات دفاعية إلى المملكة العربية السعودية كتحرك إستراتيجي مدروس يعكس إدراكاً عميقاً لمخاطر التدافع الإقليمي والدولي الراهن.
تنطلق المقاربة المصرية من قراءة شاملة للخريطة الجيوسياسية المعاصرة، والتي تجلت أبعادها التحليلية في التقديرات البحثية الصادرة عن مراكز الفكر الغربية، وعلى رأسها خريطة «فريدريش إيبرت» الألمانية التي أعدها الباحثان مارك ساكسر وماركوس شنايدر؛ إذ تُظهر هذه القراءات تقاطعاً خطيراً للمصالح بين القوى الإقليمية، يسعى لتطويق المنطقة العربية عبر ثنائية التهديد والابتزاز الأمني.
في قلب هذا المشهد، تدرك القاهرة والرياض أن خلق فراغ أمني في نطاق الخليج والبحر الأحمر يُعد مدخلاً لإعادة ترتيب المنطقة لصالح مشاريع إقليمية بديلة، تتجاوز منظومة الأمن العربي المشترك. وتتجلى هذه المخططات في محاولات فرض مظلات أمنية وإسرائيلية دائمة بالمنطقة تحت ذريعة الحماية ورصد التهديدات، إلى جانب مساعي التمدد والنفوذ في المداخل البحرية الحاكمة عند مضيق باب المندب والقرن الإفريقي.
إن دعم الأطراف والكيانات غير الحكومية في بؤر النزاع الإفريقي، والتواجد المكثف في خليج عدن والسودان وسدود منابع النيل، لا ينفصل تحليلياً عن محاولات إطباق الحصار الاقتصادي والأمني على الدولة المصرية وشل فاعلية قناة السويس. ومن هنا جاء القرار المصري بالتحرك الدفاعي المشترك لحماية عمق الأمن القومي العربي، وسد الطريق أمام محاولات إقحام طرف ثالث لاستغلال الأزمات وتثبيت وجوده كشرطي للإقليمين المائي والتجاري.
وعلى الضفة الأخرى، أظهرت المواقف المعلنة للأطراف الإقليمية حساً عالياً بدلالات هذا التحرك المصري وتوقيته الحرج؛ فقد جاءت تصريحات قيادات الحركة في اليمن (أنصار الله) لتؤكد فهم المشهد، موضحة أن التحرك المصري يرتكز على أبعاد دفاعية وأخوية لحفظ استقرار السعودية ومنع المخططات الخارجية من استغلال الأزمة، وليس للانخراط في عدوان مباشر. هذا الاستيعاب لطبيعة الدور المصري فتح الباب أمام إشارات تهدئة ومبادرات إقليمية متزامنة، من بينها التوجه نحو صيغ أمنية متكاملة تحتفي بالحوار الإقليمي المباشر بدلاً من الاستقطاب.
في النهاية، يمثل إرسال مصر لقوات دفاعية إلى السعودية رسالة إستراتيجية متعددة الاتجاهات؛ تؤكد من خلالها القوى الرئيسية في التكتل العربي الموازن رفضها لسيناريوهات التطويق وسد الفراغ لحساب طرف أجنبي. إنه تحرك يستهدف في المقام الأول حماية الملاحة الدولية، وتأمين الممر المائي لقناة السويس، وصيانة مؤسسات ومكتسبات الأمن القومي العربي بعيداً عن صراعات المحاور المفتوحة.

تم نسخ الرابط بنجاح!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى