مقالات و تقارير

د غادة محفوظ تكتب: من نقوش المعابد إلى منصات التتويج

 

في صباحٍ هادئ، وبين يديَّ فنجانٌ من القهوة، استوقفني خبرٌ بدا للوهلة الأولى عابرًا، لكنه حمل في مضمونه رسالةً أعمق من مجرد نتيجة مباراة؛ فقد نجحت ناشئات مصر لكرة اليد في تحقيق فوزٍ مستحق على المنتخب الفرنسي في بطولة العالم. ولم يكن الخبر بالنسبة إليَّ مجرد انتصار رياضي، بقدر ما كان دعوةً للتأمل في مسيرة الرياضة المصرية، وفي تاريخٍ طويل من صناعة الأبطال ورفع راية الوطن.

فعلى أرض مصر، لم تكن الرياضة يومًا وليدة العصر الحديث، بل كانت جزءًا أصيلًا من الحضارة المصرية القديمة. فقد خلد المصري القديم على جدران المعابد والمقابر مشاهد المصارعة والرماية والسباحة والتجديف والجري، في دلالة واضحة على أن الرياضة كانت إحدى صور بناء الإنسان، وغرس قيم القوة والانضباط والإرادة، وأنها كانت ركنًا من أركان الهوية المصرية عبر العصور.

وبمرور آلاف السنين، لم تنقطع تلك المسيرة، بل امتدت من جدران المعابد إلى منصات التتويج العالمية. ففي كل عام يثبت أبناء مصر وبناتها أن هذا الوطن يمتلك طاقات رياضية هائلة، تتجلى في كرة اليد، وكرة السلة، والمبارزة، والخماسي الحديث، والإسكواش، وغيرها من الألعاب التي تحقق إنجازات مشرفة وتفرض اسم مصر في أكبر البطولات الدولية.

ولعل الوقت قد حان لأن نتوقف عن اختزال الرياضة المصرية في كرة القدم وحدها، أو حصر الإنجاز الرياضي في لعبة بعينها. فلكرة القدم مكانتها وجماهيريتها، وهي مصدر سعادة لملايين المصريين، إلا أن الرياضة المصرية أوسع من أن تُختزل في لعبة واحدة، وأغنى من أن يُسلَّط الضوء على جانب منها ويُغفل ما سواه من ألعابٍ يواصل أبطالها وبطلاتها تحقيق الإنجاز ورفع اسم مصر في مختلف المحافل الدولية.

إن الأبطال الذين يرفعون علم مصر في شتى الألعاب لا يمثلون أنفسهم فحسب، وإنما يجسدون صورة الوطن أمام العالم، ويقدمون نموذجًا للإرادة والعمل والانتماء. وكل منصة تتويج يصعد إليها لاعب أو لاعبة مصرية هي صفحة جديدة تُضاف إلى سجل الوطن، وكل ميدالية تُحصد هي رسالة تؤكد أن الاستثمار في الإنسان هو الطريق الأصدق إلى صناعة المجد.

ومن هنا، فإن دعم الرياضة المصرية لا ينبغي أن يكون مقصورًا على لعبة دون أخرى، بل يجب أن يمتد إلى جميع الألعاب التي تصنع الأبطال وتمنح الوطن مكانته الرياضية بين الأمم. فتنوع الإنجازات هو عنوان قوة الدول، والرياضة إحدى أهم أدوات القوة الناعمة التي ترسم صورة الأوطان في أعين العالم.

حين يرفرف علمُ مصر على منصات التتويج، تتوارى أسماء الألعاب، ويبقى اسم الوطن وحده حاضرًا في المشهد؛ فالمجد لا يُنسب إلى لعبة، وإنما إلى أمةٍ تُجيد صناعة الأبطال.

تحيةً لكل شاب وفتاة حملوا اسم مصر إلى ميادين المنافسة، وجعلوا الراية المصرية خفاقة في المحافل الدولية. فكل إنجاز رياضي، أيًّا كانت اللعبة التي تحقق فيها، هو صفحة مضيئة تُضاف إلى سجل هذا الوطن، ودعوةٌ متجددة إلى أن ننظر إلى الرياضة المصرية بعينٍ ترى جميع أبطالها، وتحتفي بكل من جعل اسم مصر حاضرًا بين الأمم.

تم نسخ الرابط بنجاح!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى