مقالات و تقارير

المعلّم والسياسي

 

محمد الكعبي

«قُم للمعلّمِ وفِّهِ التبجيلا.
كادَ المعلّمُ أن يكونَ رسولاً. أعلمتَ أشرفَ أو أجلَّ من الذي يبني وينشئُ أنفساً وعقولاً»

كثيراً ما نشكو من فساد السياسيين، وسوء الإدارة، وتسلّط الأحزاب، ونهب المال العام، ونتساءل بحرقة: كيف وصل هؤلاء إلى السلطة؟ وكيف استطاعوا البقاء فيها كل هذه السنوات؟

لكن السؤال الذي نادراً ما نطرحه على أنفسنا هو: ما دور المجتمع في صناعة الطغاة؟

في أحد مجالس العزاء، كان الحديث محتدماً حول ما وصل إليه البلد من خراب وفشل وفساد. كان الحاضرون ينتقدون المسؤولين، ويتهمون الطبقة السياسية بالسرقة والانتهازية، ويؤكدون أن قيمة المسؤول يجب أن تُقاس بإنجازه وما يقدّمه للناس، لا بمنصبه ونفوذه او انتمائه القبلي او العائلي .

وفي زاوية المجلس، كان معلّم يعرفه معظم الحاضرين يجلس بهدوء، من دون أن يحظى باهتمام يُذكر.

لكن ما إن توقفت سيارة حديثة أمام المجلس، ونزل منها رجل سياسي ومسؤول، حتى تغيّر المشهد. هبّ كثيرون لاستقباله، وتزاحموا حوله، وأصرّوا على أن يجلس في صدر المجلس، مع أن بعضهم كان، قبل لحظات، يتهامس باتهامه بالفساد والتهريب والسرقة.

هنا تكمن المفارقة.

نحن ننتقد السياسي الفاسد في غيابه، ثم نقف احتراماً لنفوذه في حضوره. نهاجم منظومة السلطة، ثم نعيد إنتاج من جديد، نتحدث عن قيمة العلم، لكننا نترك المعلّم في زاوية المجلس، ثم نمنح السياسي صدره، لا لأنه أكثر علماً أو أخلاقاً أو خدمة للمجتمع، بل لأنه يمتلك السلطة والمال والنفوذ.

إن أزمة الفساد ليست قانونية أو سياسية فحسب، بل هي أيضاً أزمة قيم اجتماعية. فالفاسد لا يستمد قوته من المنصب وحده، وإنما من مجتمع يمنحه الهيبة، ويتقرب إليه، ويطلب ودّه، ويمنحه مكانة قد لا يستحقها.

نحن، في كثير من الأحيان، نرفع شعارات تختلف عن سلوكنا. نمجّد المعلّم بالكلمات، ونحتفي بصاحب النفوذ في الواقع. نقول إن قيمة الإنسان في علمه وعمله وأخلاقه، ثم نرتب الناس وفق مناصبهم وأموالهم وقدرتهم على تحقيق المصالح.

وهنا يصبح السؤال أكثر إزعاجاً: هل مشكلتنا في السياسي وحده، أم في الثقافة التي تصنع السياسي وتمنحه هذه المكانة؟

فالسياسيون يرحلون، وتتغير الحكومات والأحزاب والأسماء، لكن المشكلة ستبقى ما دامت المعايير نفسها باقية. سنصنع وجوهاً جديدة، ونمنحها الهيبة ذاتها، ونتقرب منها، ونطلب رضاها، وربما ننتخبها، ثم نعود بعد سنوات لنشكو من فسادها واستبدادها.

لا يمكن إصلاح السياسة من دون إصلاح نظرتنا إلى السلطة. ولا يمكن محاربة الفساد بينما نحتفي بالفاسد ونمنحه الصدارة لمجرد أنه صاحب منصب أو نفوذ.

المشكلة، إذن، ليست دائماً في أولئك الذين يتسلّطون علينا، بل في القيم التي نصنع بها مكانتهم.

نحن نصنع هؤلاء، وهم سيرحلون، لكننا سنصنع غيرهم ما لم تتغير معاييرنا.

فنحن، دائماً وعبر التاريخ، نصنع الآلهة… ونعبدها… ثم نأكلها…
ثم نعيد تدويرها.

تم نسخ الرابط بنجاح!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى