مقالات و تقارير

*أمجاد القبائل إرثٌ يُصان.. لا سلعةٌ يُتاجر بها*

 

 

بقلم: اللواء الدكتور مبروك بن عناد العنزي

 

ما كانت القبيلة في تاريخ العرب مجرد اسم يُتفاخر به، ولا راية تُرفع عند الخصومات، بل كانت موطنًا للمروءة، وحصنًا للقيم، ومدرسةً للشهامة والكرم والنجدة والوفاء. وبمثل هذه الخصال سطّر الآباء والأجداد مآثرهم، وتركوا لأبنائهم إرثًا يحق لهم الاعتزاز به، وتجب عليهم صيانته.

 

ومن هذا المنطلق، استوقفني وأثلج صدري التوجيه السديد لمعالي وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، الشيخ الدكتور عبداللطيف آل الشيخ، بتخصيص خطبة الجمعة للتحذير من العصبية القبلية ومثيريها، والتنبيه إلى خطورة الحسابات المضللة التي تستهدف لحمتنا الوطنية. وهو توجيه جاء في وقته، ولامس أمرًا جديرًا بالعناية، ويستحق الإشادة والتقدير.

 

فما يؤسف له أن نرى بعض من يتخذون من أسماء القبائل وأمجادها مطيةً للشهرة، وسُلّمًا للمصالح الشخصية، يلاحقون الأضواء و«الفلاشات»، ويستثيرون النعرات، ويتصدرون المشهد وكأنهم أوصياء على تاريخ القبيلة وكرامتها، بينما هم بأفعالهم يسيئون إليها أكثر مما ينفعونها.

 

وأقولها بوضوح: إن أمجاد القبائل لم يصنعها أصحاب الضجيج، ولا الباحثون عن الشهرة، وإنما صنعها رجال صدقوا في مواقفهم، وارتفعت أقدارهم بأفعالهم قبل أقوالهم. فمن يتاجر بذلك الإرث لمصلحة نفسه، ويثير الخصومات باسم قبيلته، إنما يقدم عنها واجهة مسيئة ومشينة، وهي بريئة من تصرفاته.

 

ومن حق كل إنسان أن يعتز بنسبه وقبيلته، ولكن ليس من حقه أن ينتقص من أنساب الآخرين أو يتعالى عليهم. فكلنا لآدم، وآدم من تراب، وقد قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. فأي فخر يبقى لنسبٍ إذا غابت المروءة، وأي مجد يُرتجى من عصبية نهى عنها ديننا الحنيف؟

 

وإن من أعظم نعم الله علينا، التي تستوجب دوام الحمد والشكر، أن هيأ لهذه البلاد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، رحمه الله، فجمع الله به شتاتها، ووحّد كلمتها بعد فرقة، وأرسى دعائم دولة جمعتنا تحت راية واحدة. حتى غدونا اليوم، حاضرةً وباديةً، على اختلاف قبائلنا وتعدد أنسابنا، كقبيلة واحدة في تلاحمها وتناصرها، يجمعنا الدين، ويوحدنا الوطن، وتظلنا قيادة واحدة، ويشد بعضنا أزر بعض.

 

وما أجمل أن نعتز بقبائلنا وتاريخها، ونحن ننعم بهذا الأمن والاستقرار واجتماع الكلمة. فلم تُلغِ وحدة الوطن أنسابنا، ولم تمحُ أصالتنا، بل جمعت قلوبنا، وجعلت من تعدد قبائلنا مصدر قوة واعتزاز. وتلك نعمة لا يعرف عظيم قدرها إلا من خبر مرارة الفرقة، وعرف ما تجرّه العصبيات من عداوات وخصومات.

 

ولذلك، فإن على شيوخ القبائل ووجهائها وعقلائها ومثقفيها مسؤولية أخلاقية واجتماعية في صيانة هذا الإرث، وألا يتركوا أسماء قبائلهم نهبًا للمتاجرين بها، أو للحسابات المجهولة التي تستفز الناس وتؤجج الخلافات. فالغيرة الصادقة على القبيلة تكون بحفظ مكانتها، وإصلاح ذات البين، وتربية الأجيال على مكارم الأخلاق، لا بمجاراة السفهاء أو الانتصار للباطل.

 

ومن واقع الاهتمام بالشأن الأمني والتربوي، أرى أن مثل هذه الممارسات لا ينبغي الاستهانة بها؛ فالأمن لا يقوم على قوة الأنظمة والإجراءات وحدها، بل على وعي المجتمع وتماسكه، وحسن إدراك أفراده لما قد تجرّه الكلمة الطائشة والتعصبات المقيتة من عواقب.

 

وإنني إذ أشيد بتوجيه معالي الوزير، أرى فيه تذكيرًا بواجب ديني ووطني وأخلاقي، ورسالة ينبغي ألا تقف عند حدود خطبة الجمعة، بل تمتد إلى مجالسنا وبيوتنا ومنصات تواصلنا.

 

ولنتذكر أن شرف القبيلة لا يحفظه صخب المتعصبين، وإنما تحفظه أخلاق أبنائها، وأن الوفاء للآباء والأجداد ليس في المتاجرة بأمجادهم، بل في الاقتداء بفضائلهم، وإضافة ما يشرّف إلى تاريخهم.

 

فليكن فخرنا بقبائلنا في مكارم أخلاقها، واعتزازنا بوطننا في وحدته وأمنه، وحمدنا لله دائمًا أن جمعنا بعد فرقة، وألّف بين قلوبنا، وجعلنا، حاضرةً وباديةً، أهل وطن واحد، تجمعنا راية واحدة، وقيادة واحدة، ومصير واحد

 

حفظ الله بلادنا وقيادتها، وأدام علينا نعمة الدين والأمن واجتماع الكلمة.

تم نسخ الرابط بنجاح!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى