صحة و جمال

حوار افتراضي بين الدكتور جمال شعبان طبيب أمراض القلب المعاصر، والعالم الطبيب ابن النفيس

 

كتبت نهي عبد الخالق

في جلسة علمية وسط أجواء هادئة عنوانها : القلب عبر العصور

الحوارُ بين عالِمَيْنِ تفصل بينهما ثمانيةُ قرونٍ يكشفُ أنَّ القلبَ – بأسرارِه – يبقى لغزًا يُلهِمُ الأجيال.

ابنُ النفيسِ رسمَ خريطةَ الشرايينِ بقلمِ الملاحظةِ،
وجمالُ شعبانَ يُصلحُها بأساليبِ العصر. لكنَّ جوهرَ الطبِّ واحد: عقلٌ يبحثُ، ويدٌ ترحمُ، وقلبٌ يُحبُّ

(يجلس د. جمال شعبان في مختبرٍ حديثٍ مزوَّد بشاشات تعرض شرايين القلب،
بينما يظهر ابن النفيس بزيٍّ تاريخيٍ يحمل مخطوطةً قديمة،
في فضاءٍ يجمع بين الماضي والحاضر.)

*د. جمال شعبان*: (مُمسكًا بسماعة طبية)
أستاذنا ابن النفيس،
لطالما أذهلتني جرأتك في دحض آراء جالينوس وابن سينا!
كيف استطعتَ اكتشافَ الدورة الدموية الصغرى قبل قرونٍ من هارفي، دون أدوات التشريح الحديثة
؟
ثم أردف د. جمال**: (مُشيرًا إلى صورةٍ للشرايين التاجية)
وأنت أول من تحدث عن تغذية القلب عبر الشرايين التاجية،
وهي معلومة فسيولوجية تُدرَّس اليوم في كل كليات الطب.
كيف توصلتَ إليها؟

ابن النفيس (بهدوء وتأمل):

دكتور جمال، يسعدني أن أراك،
فقد سمعت أنكم تطورون ما بدأناه منذ قرون…
كيف حال علوم القلب في زمنكم؟ثم أردف (بهدوء الحكيم)
يا دكتور،
العلمُ نورٌ يسري في العقول النقية. لاحظتُ أن الدم لا يمرُّ مباشرةً من البطين الأيمن إلى الأيسر كما زعم سابقون،
بل يذهب إلى الرئتين ليَصْفُوَ.
سجَّلتُ ذلك في “شرح تشريح القانون”، لكنَّ الزمن أخفى فضلَنا حتى أتى محيي الدين التطاوي فأظهر الحقيقة . ثم أردف ابن النفيس (بفخر متواضع):
كنت أعتمد على الملاحظة الدقيقة والتشريح.
وكنت دائمًا أقول إن المنطق لا يسمح بمرور الدم من البطين الأيمن إلى الأيسر عبر الجدار الفاصل كما كان يُظن آنذاك.

أما فيما يتعلق بالشرايين التاجية
فالملاحظةُ مفتاحُ العلم! حين شَرَحْتُ قلوبَ الحيوانات، رأيتُ شبكةً من الأوعية الدقيقة تُغذّي العضلة. فقلتُ: “غذاء القلب من الدم المنبث في جرمه، لا من دم التجاويف”. وهذا ما أكده كولومبو بعد قرونٍ دون أن يعترف بسبقي .

د. جمال شعبان (مبتسمًا):

والله يا ابن النفيس،
نحن نرتكز على ما كتبته أنت.
اكتشافك للدورة الدموية الصغرى كان فتحًا علميًا سبق زمانه بمئات السنين. كنت أول من قال إن الدم ينتقل من البطين الأيمن إلى الرئتين ليُزود بالأوكسجين، ثم يعود إلى القلب… قبل أن يعيد الأوروبيون اكتشافه بقرون.

*ابن النفيس*: (مُعجبًا)
عجيبٌ! في زمني، كُنا نعتمد على تشريحِ الحيوانات ومراقبةِ النبض. أما أنتم فكأنكم تُمسكون بالقلبِ بين أيديكم! ما أروع ما وصلت إليه عقولكم! كم كنت أتمنى أن أملك هذه الوسائل لأتتبع كل شريان بدقة. لكن، هل تُعلّمون هذا لطلابكم؟ ابن النفيس (وقد أضاء وجهه شغف المعرفة):
قل لي يا دكتور جمال، كيف صار حال علم التشريح في عصركم؟
لقد كنت أُضطر لتشريح الحيوانات أحيانًا،
لأن تشريح البشر كان أمرًا مرفوضًا في زماني.

د. جمال شعبان (بإعجاب):
اليوم يا سيدي، أصبح التشريح حجر الأساس في تعليم الطب.
نُشَرّح الجثث بتصاريح قانونية، ونعتمد على مجسمات دقيقة،
بل ونعمل على تقنيات الواقع الافتراضي لتعليم طلابنا التكوين الداخلي لجسم الإنسان.

ابن النفيس:
لو كنا نملك مثل هذه الوسائل،
لتعمقنا أكثر في معرفة الأعضاء ووظائفها.
كنت أقول دائمًا إن التشريح لا يُمكن فصله عن فهم طبيعة المرض.

د. جمال شعبان:
وهذا يقودنا إلى علم الأمراض، أو ما نسميه اليوم Pathology،
وهو العلم الذي يشرح كيف ولماذا تمرض الأنسجة.
لدينا اليوم مجاهر تكشف أدق التغيرات الخلوية،
ونفهم كيف تبدأ الأمراض من تفاعل بسيط داخل خلية.

ابن النفيس (باندهاش):
أدق من العين المجردة؟!
يا لها من ثورة علمية !!
لقد كنت ألاحظ التغير في الأعضاء بالعين،
لكن لم أتخيل أن هناك عالماً كاملاً داخل الخلايا!

د. جمال شعبان:
تمامًا،
وهذا يرتبط بعلم آخر هو علم وظائف الأعضاء (الفسيولوجيا)،
الذي أصبح علمًا قائمًا بذاته، ندرسه على مستوى الجزيئات.
نحن نتابع النبضات العصبية، والهرمونات،
ونفهم كيف يتحكم الدماغ في الجسم كله وكل وظائف القلب بما في ذلك اكتشاف مخ صغير داخل القلب

ابن النفيس (بوقار):
كنت أعتقد أن الدماغ هو مركز الفكر والإدراك، لكن لم يكن لدي الوسائل لأثبت ذلك… كيف تراقبون هذه العمليات؟

د. جمال شعبان:
نستخدم أجهزة مثل تخطيط الدماغ (EEG)، وتخطيط القلب (ECG)، والموجات الصوتية والدوبلر EchoDoppler
وقسطرة الشرايين التاجية Cardiac catheterisation
وصور الرنين المغناطيسي الوظيفي (MRI)… نراقب نشاط القلب في لحظاته الحقيقية، ونعرف كيف تؤثر المشاعر على القلب، والعكس. ثم أردف د جمال ضاحكا حتى في الاعتدال بتناول الملح سبقتَ عصرك! نُعلّم مرضانا اليومَ أخطارَ الإفراط فيه لارتفاع الضغط، وأنت نصحت بذلك قبل 800 عام .

*ابن النفيس*:
الاعتدالُ سِرُّ الصحة. رأيتُ الملحَ يُثير الأخلاطَ ويُربك الجسد، فحذَّرتُ منه. لكنْ، أخبرني: كيف تُصلحون اليومَ شرايينَ القلبِ المسدودة؟

*د. جمال*: (يُظهر فيديو لقسطرةٍ قلبية) د. جمال شعبان:
تمامًا… واليوم نحن نتابع الدورة عبر أجهزة دقيقة مثل القسطرة والتصوير بالرنين المغناطيسي. لكن يهمني رأيك يا سيدي في الشريان التاجي، فهو شريان الحياة بالنسبة لنا كأطباء قلب.

ابن النفيس (وقد ارتسمت على وجهه علامات الفضول):
الشريان التاجي… تقصد الأوعية التي تغذي القلب نفسه؟

د. جمال شعبان:
نعم. اكتشفنا أن القلب لا يكتفي بما يمر بداخله من دم، بل يحتاج إلى تغذية مباشرة من شبكة من الشرايين تُسمى التاجية. وعندما تُسد هذه الشرايين، يصاب القلب بنوبة قلبية. ونحن الآن نقوم بتوسيعها عن طريق البالون والدعامات، أو نعيد بناءها بالجراحة
نستخدمُ أنابيبَ دقيقةً لفتح الشرايين، وأحيانًا نزرعُ الدعامات وهي شبكاتٍ معدنيةً ذكية ممتزجة

تم نسخ الرابط بنجاح!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى