مقالات و تقارير

ما لا يخبرونك به عن الوظيفة العامة

بقلم المستشار عبدالباسط صالح بن نجاح
رئيس لجنة إدارة هيئة التأمين الطبي

عندما تحصل على وظيفة عامة ، يخبرونك عن الراتب ، وساعات الدوام ، والدرجة الوظيفية ، والحقوق والواجبات ، يخبرونك أين تجلس ، ومتى تحضر ، ومتى تنصرف وما الأوراق التي يجب أن توقعها.
لكنهم نادرا ما يخبرونك عن الأشياء التي ستتعلمها بنفسك بعد سنوات من العمل.
لن يخبرك أحد أن العمل داخل المؤسسة قد يكون مختلفاً تماماً عن الصورة التي رسمتها اللوائح ، ولن يخبرك أن إنجاز مهمة بسيطة قد يحتاج أحيانا إلى معرفة دقيقة بمن يملك القرار، ومن يملك المعلومة ومن يعرف تفاصيل الإجراءات.
الوظيفة ليست مكتباً وراتباً فقط ، أول صدمة يكتشفها الموظف الجديد أن الوظيفة العامة ليست مجرد أداء للمهام المكتوبة في الوصف الوظيفي .
هناك ثقافة داخل كل مؤسسة وهناك أشخاص صنعوا لأنفسهم خبرة طويلة ، وهناك قواعد مكتوبة وأخرى غير مكتوبة ، وهناك تفاصيل لا يتعلمها الموظف من الكتب وإنما من الممارسة.
قد تصل إلى مكتبك وأنت تحمل شهادة وخبرة ، ثم تكتشف أن معرفة النظام الداخلي للمؤسسة لا تقل أهمية عن تخصصك ، ومن هنا يبدأ التعلم الحقيقي .
من يعرف النظام يمتلك نصف الطريق :
الموظف الذي يعرف القانون واللائحة والإجراءات يعرف حدود صلاحياته ، ويعرف متى يستطيع أن يقرر، ومتى يجب أن يعود إلى رئيسه ، ومتى يكون الطلب مخالفاً للنظام ، وهذه المعرفة ليست ترفاً.
فالموظف الذي لا يعرف حقوقه قد يقبل بما لا يجب عليه قبوله ، والذي لا يعرف واجباته قد يقع في خطأ إداري دون أن يدرك عواقبه.
لذلك فإن أخطر ما يمكن أن يفعله الموظف هو أن يعتمد دائماً على عبارة : «هكذا وجدنا الأمور».
فما وجدناه قائماً ليس بالضرورة هو ما ينبغي أن يكون.
الواسطة ليست مهارة وظيفية ، فهي من أكثر الملفات حساسية في الوظيفة العامة العلاقة بين العلاقات الشخصية والعمل.

العلاقات الاجتماعية موجودة في كل المجتمعات ، والتعاون بين الزملاء أمر طبيعي ، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول العلاقة إلى وسيلة للحصول على حق ليس مستحقاً ، أو تجاوز إجراء واجب أو منح فرصة على حساب شخص آخر.
عندها لا يعود الأمر مجرد (مساعدة) بل يصبح خللاً في العدالة الإدارية.
والمؤسسة التي تجعل الوصول إلى المسؤول أهم من الوصول إلى القانون ، تضعف ثقة موظفيها ومراجعيها مع مرور الوقت.
هناك موظف يعمل… وموظف يحضر
من الخفايا التي لا تظهر في كشوف الحضور والانصراف أن وجود الموظف في المكتب لا يعني بالضرورة إنتاجيته.
قد تجد موظفاً يؤدي عمله بصمت ، ويحمل مسؤوليات حقيقية ، ويحل مشكلات لا يراها أحد.
وفي المقابل قد تجد من يقضي ساعات الدوام كاملة دون أن يترك أثراً حقيقياً في العمل.
ومن هنا تظهر مشكلة أكبر من مسألة الموظف نفسه : كيف تقيس المؤسسة الأداء؟
إذا كان التقييم قائماً على الحضور فقط ، فقد تكافئ المؤسسة الوجود بدل الإنجاز.
أخطر شيء: أن تعتاد الخطأ والخطأ الفردي يمكن تصحيحه.
لكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما يصبح الخطأ عادة ، ثم يصبح عادة مقبولة ، ثم تتحول العادة إلى (نظام غير مكتوب).
عندما يقول الموظفون: (هكذا نفعل منذ سنوات) قد تكون هذه العبارة إشارة إلى ضرورة مراجعة الطريقة لا إلى صحتها.
المؤسسات تتغير ، والقوانين تتطور ، والتقنيات تتقدم ، وما كان مناسباً قبل عشر سنوات قد لا يكون مناسباً اليوم.
المسؤول ليس دائماً صاحب القرار المطلق
من الخارج يبدو المسؤول صاحب السلطة.
لكن داخل المؤسسة قد يكتشف المسؤول نفسه محاطاً باللوائح ، والاختصاصات ، والميزانيات ، والتسلسل الإداري ، والرقابة.

ولهذا فإن الإدارة الحقيقية ليست مجرد إصدار الأوامر.
إنها القدرة على اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب ، وتحمل مسؤوليته ، وتفسيره ، ومتابعة تنفيذه.
أخطر ما يمكن أن تخسره هو سمعتك المهنية :
قد يتغير المدير وقد يتغير القسم وقد تتغير الإدارة لكن السمعة المهنية تبقى.
الموظف الذي يعرف عنه الالتزام واحترام القانون وحفظ الأسرار المهنية وإنجاز العمل وعدم استغلال موقعه يبني رصيداً لا يظهر في كشف المرتب ، لكنه يظهر في كل مكان يعمل فيه.
أما الموظف الذي يعتقد أن الوصول إلى المنصب أو المسؤول يحميه من المساءلة فقد يكتشف متأخراً أن المناصب مؤقتة ، بينما آثار القرارات تبقى .
واخيراً … الوظيفة العامة ليست جنة كما يتخيلها البعض ، وليست سجناً إدارياً كما يصفها آخرون ، بل هي مساحة تجمع الطموح والروتين ، السلطة والمسؤولية ، القانون والممارسة ، الكفاءة والعلاقات ، والإنجاز والتحديات اليومية.
والحقيقة التي لا يخبرونك بها في البداية هي أن نجاحك في الوظيفة العامة لا يتوقف فقط على حصولك على الوظيفة ، بل على قدرتك على فهم المؤسسة دون أن تفقد مبادئك ، ومعرفة القواعد دون البحث عن ثغراتها ، وبناء العلاقات دون تحويلها إلى محاباة ، وتحقيق طموحك دون أن تجعل المنصب غاية في حد ذاته.
ففي نهاية المطاف قد ينسى الناس المسمى الوظيفي الذي حملته ، لكنهم لن ينسوا الطريقة التي تعاملت بها معهم ، والقرارات التي اتخذتها ، والأثر الذي تركته وراءك.

تم نسخ الرابط بنجاح!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى