
متابعة : علاء حمدي
- بقلم : محمد جمال الدين
إن الفلسفة الكونية لم تكن يوماً بمعزل عن صراع الأضداد، فالنور بطبيعته يستفز العتمة، والوجود الحق يبعث الرعب في نفوس الكائنات الطفيلية، التي تقتات على الهامش، وتقتفي أثر الضوء لإقتباس دفئه، ثم محاولة حجبه، وحين ترتقي القامات السامقة في سماء الوطن، متوسمة بمعارج المعرفة والإبداع، تخرج بعض أصوات الضجيج المغرض، محاولة العبث بصفحات التاريخ الناصعة.
إن الحملات العابرة والزيف الممنهج لا تعدو أن تكون سوى هباء منثور، أمام جبال الراسخين في العلم والفن، وفي هذا السياق الفلسفي المعرفي، تبرز قامة الأستاذة الدكتورة رانيا يحيى كنموذج إنساني وأكاديمي وفني فريد، تجسدت فيه وحدانية الإرادة وصلابة المعدن المصري الأصيل، لتتحطم على عتبات إنجازاتها العظيمة كل محاولات التشويه البائسة.
لم تكن رحلة الدكتورة رانيا يحيى وليدة الصدفة، بل صيغت بخيوط الوعي والإنضباط المنهجي، فقد جمعت منذ نعومة أظفارها بين المتضات النبيلة، فحصلت على بكالوريوس معهد الكونسرفتوار بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف، متوجة ذلك بلقب الطالبة المثالية، ولم تكتفي بهذا الصرح الموسيقي الشامخ، بل رافقته بالتوازي دراسة صارمة في رحاب حقوق جامعة القاهرة، لنيل ليسانس الحقوق في ذات العام (1998)، في إشارة مبكرة على عقلية قانونية منظمة تضبط إيقاع الفنون برصانة التشريع والمنطق.
ثم توجت هذا المسار الأكاديمي بالحصول على درجة الدكتوراه في فلسفة الفنون من المعهد العالي للنقد الفني، لتتبوأ بجدارة منصب أستاذ ورئيس قسم فلسفة الفن وعلومه، وصولاً إلى توليها عمادة المعهد العالي للنقد الفني بأكاديمية الفنون، وصولاً إلى قرار توليها إدارة الأكاديمية المصرية للفنون في روما، لتكون بذلك أول موسيقية مصرية، وأول شخصية نسائية من أكاديمية الفنون تتولى هذا المنصب الدبلوماسي الثقافي الرفيع، في عاصمة الفن العالمي.
على الصعيد الفني الموسيقي، حلقت الدكتورة رانيا يحيى بعزفها المنفرد على آلة “الفلوت” ضمن أوركسترا أوبرا القاهرة، عازفة أرقى ألحان الجمال والإنسانية، وناقلة التراث والثقافة المصرية إلى المحافل الدولية بصورة مشرفة، إذ لم تقتصر إنجازاتها على الجانب العزفي الأكاديمي، بل امتدت لتشمل المناصب الإدارية القيادية، التي أحدثت فيها نقلات نوعية مشهودة، فقد أسست ورسخت قواعد صلبة للإرتقاء بالبحث النقدي، وفتحت آفاقاً واسعة للتعاون الثقافي الدولي والمحلي.
وعلى مستوى تمكين المجتمع وبناء الإنسان، جاء اختيارها عضواً بالمجلس القومي للمرأة بقرار جمهوري ليتوج مسيرة عطاء إنساني لا ينقطع، حيث بادرت بتأسيس لجنة الفنون والآداب بالمجلس عام 2022، وقادت العديد من المبادرات الخلاقة مثل مسابقة “قوتنا لمتنا” ومبادرة “بالفن مصر أحلى” في حي الأسمرات، داعمة بذلك ذوي الإعاقة والمرأة والمواهب الشبابية الناشئة، ورافعتاً راية مصر في كل محفل عُني بالثقافة والفنون والإرتقاء بالوعي الجمعي، ونتيجة لهذه الجهود المضنية، حظيت بتقدير رفيع، توج بحصولها على جائزة الدولة للتفوق في الفنون، لتكون تاجاً على رأس مسيرة حافلة بالتضحية والإخلاص.
تتميز شخصية الدكتورة رانيا يحيى بفرادة أخلاقية تتسق تماماً مع ما تقدمه من فن رفيع وفكر عميق، فهي تجمع بين حزم القيادة الإدارية ودفء الإنسانية ورقة الفنان، كذلك تتسم بالصلابة والثبات أمام النوازل، والتواضع الجم مع مريدي العلم والطلاب، والغيرة الوطنية الصادقة، التي ترتكز على تعزيز صورة مصر الحضارية في الخارج والداخل، بالإضافة إلى تعاملها الإنساني الراقي مع المحيطين بها، وسعيها الدؤوب لمد جسور المحبة والسلام، والإرتقاء بالوجدان العام، وهو ما جعلها رمزاً يُحتذى به للعقول الواعية والنفوس الزكية، التي تعلي مصلحة الوطن والرسالة السامية، فوق كل مكسب شخصي أو ضجيج عابر.
إن التاريخ البشري طالما شهد محاولات بائسة للنيل من الشرفاء، فالتجريح والتشويه المغرض ليسا سوى زبد يذهب جفاءً، بينما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض، والدكتورة رانيا يحيى لم تكن يوماً مجرد اسم طارئ في المشهد الثقافي والفني، بل هي مدرسة قائمة بذاتها في الإنتماء والإبداع والفلسفة والسمو الأخلاقي، لذا فحملات الظلام المغرضة لن تزيد شمس إنجازاتها إلا إشراقاً، ولن تنال من اسم شامخ سطرته الأحرف النبيلة في وجدان مصر الحضاري، وستظل سيرتها العطرة شاهداً حياً على أن الأصالة تقهر الزيف، وأن الفكر الحق يبقى راية خفاقة في سماء المجد الإنساني والوطني إلى الأبد.



