التعاون الصينى المصرى فى إطار منظمة شنغهاى للتعاون وهيكلية الترابط الأوراسى المتطورة

تحليل الدكتورة/ نادية حلمى
الخبيرة المصرية فى الشئون السياسية الصينية وسياسات الحزب الشيوعى الحاكم فى الصين والشئون الآسيوية ـ أستاذ العلوم السياسية جامعة بنى سويف
بمناسبة زيارة الرئيس شي جين بينغ المرتقبة إلى مصر أواخر أغسطس وأوائل سبتمبر، بالتزامن مع قمة منظمة شنغهاي للتعاون فى بيشكيك (٣٠ أغسطس – ٣ سبتمبر) وزيارات رئيس الدولة الصينية إلى قيرغيزستان ومصر، تطرح العديد من التساؤلات حول: كيف يمكن أن يتم التعاون الصينى المصرى فى إطار (منظمة شنغهاى للتعاون، وهيكلية الترابط الأوراسى المتطورة)، بل وكيف يمكن أن تتفاعل مصر، بصفتها شريكاً رئيسياً فى المنطقة مع الصين من خلال منصات متعددة الأطراف، مثل (منظمة شنغهاى للتعاون ومبادرة الحزام والطريق الصينية)، وما يعنيه ذلك للتعاون بين بلدان الجنوب، والإستقرار الإقليمى، ونظام حوكمة عالمى أكثر توازناً؟
ويتمثل التعاون المصرى الصينى فى إطار “منظمة شنغهاى للتعاون
(SCO)
وهيكلية الترابط الأوراسى” فى سعى البلدين نحو بناء شراكات إستراتيجية متوازنة وتعددية أقطاب تدعم التنمية المستدامة والأمن الإقليمى لصالح التنمية وقضايا الجنوب العالمى. وهنا تستفيد الصين من شراكة مصر فى منظمة شنغهاى للتعاون بصفتها “شريك حوار” منذ سبتمبر ٢٠٢٢. حيث ترى الصين فى عضوية مصر فى منظمة شنغهاى للتعاون الإقتصادى منصة محورية لتعزيز التنسيق الأمنى والسياسى والإقتصادى مع القوى الآسيوية والصاعدة. وتدعم الصين هذا الدور بإعتبار مصر حلقة وصل إستراتيجية هامة تربط بين فضاء الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا. وهو ما يعزز الدور المحورى المصرى مع الصين فى (الربط مع الهيكلية الأوراسية ومبادرة الحزام والطريق الصينية) حيث تتلاقى أهداف منظمة شنغهاى للتعاون ومفاهيم الترابط الأوراسى مع مبادرة الحزام والطريق الصينية، والتى تجد في مصر وموقع قناة السويس ممراً تجارياً ولوجستياً رئيسياً، خاصةً مع توسع التعاون بين مصر والصين والدول الأعضاء فى منظمة شنغهاى للتعاون والترابط الأوراسى، ليشمل (توطين الصناعات، مشروعات البنية التحتية، والنقل، والطاقة المتجددة)، وهو ما يخدم تكامُل مبادرة الحزام والطريق الصينية مع رؤية مصر للتنمية المستدامة ٢٠٣٠.
وهنا، تتجسد أهمية زيارة الرئيس الصينى “شي جين بينغ” إلى مصر وقمة منظمة شنغهاي للتعاون فى بيشكيك (٣٠ أغسطس – ٣ سبتمبر ٢٠٢٦) فى تعزيز الشراكة الإستراتيجية الشاملة وبناء نظام حوكمة عالمى أكثر توازناً. والتعاون فى إطار منظمة شنغهاى والترابط الأوراسى خاصةً فى ظل الوضع الإستراتيجى المتميز لمصر فى الشرق الأوسط والجنوب العالمى. حيث تتيح مشاركة مصر كشريك حوار فى منظمة شنغهاى للتعاون الإقتصادى تعزيز التنسيق الأمنى والسياسىى. فضلاً عن مساهمة (هيكلية الترابط الأوراسى فى الربط اللوجستى للممر الممر الشمالى-الجنوبى بمحور قناة السويس ومدى أهميته للصين). حيث يشكل الربط اللوجستي بين ممرات أوراسيا، مثل (ممر النقل الدولى بين الشمال والجنوب
“INSTC”
ومحور قناة السويس) عنصرَ تحول إستراتيجى فى حركة التجارة العالمية، وسط مساعٍ صينية وروسية لتنويع مسارات الإمداد. وهنا تبرز هيكلية الترابط الأوراسي والربط اللوجستى فى تكامل كامل الوسائط المتعددة، حيث يدمج (ممر الشمال-الجنوب) شبكات السكك الحديدية والنقل البرى والبحرى، لربط روسيا وإيران وجنوب آسيا بقلب أوراسيا، وهو ما يتقاطع مع الأهمية المحورية لقناة السويس فى مصر. حيث تلتقى هذه الهيكلية الجيوسياسية مع قناة السويس كمفترق طرق تجارى عالمى يربط الشرق بالغرب، حيث تسعى مصر لربط إقليم القناة بشبكات النقل السككى والبرى لتعزيز كفاءة التوزيع. وهو ما تستفيد منه الصين، من حيث (توزيع المخاطر وتقليل الإعتماد)، حيث تستفيد الصين من تنويع ممرات التجارة (بما فى ذلك الممرات البرية الأوراسية والممر البحرى القطبى) لضمان إستمرارية سلاسل الإمداد بعيداً عن الإختناقات الجيوسياسية فى المضايق التقليدية، وهو ما يخدم تكامُل مبادرة ممرات الحزام والطريق الصينية. حيث يتيح التقارب اللوجسى الأوراسى لبكين تعزيز حركة الصادرات والمرونة فى الوصول للأسواق الأوروبية والآسيوية عبر مسارات بديلة ومجدولة.
وبناءً عليه، تلعب هذه الشراكة المصرية الصينية الأوراسية دوراً فى دعم الإستقرار الإقليمى والدولى، للتغلب على تحديات أمن الطاقة ومضيق هرمز. كما يتيح التفاعل المصرى عبر المنصات متعددة الأطراف كمبادرة الحزام والطريق الصينية والممرات الأوراسية، بدمج المشروعات التنموية الكبرى فى مصر مع مبادرة الحزام والطريق الصينية، الأمر الذى يعود لصالح التنمية الإقتصادية فى مصر. وهنا تلعب مصر دوراً إستراتيجياً مهماً فى تعزيز االإستقرارالإقليمى وحماية أمن الطاقة العالمى، عبر ربط مصالحها الحيوية بالمبادرات الدولية الكبرى. وهو ما يحافظ على أمن الطاقة والممرات البحرية عبر الإعتماد الصينى على الدور المحورى المصرى فى (تأمين حركة الملاحة العالمية فى البحر الأحمر وباب المندب وقناة السويس) لصالح دعم إستقرار إمدادات الطاقة وسط التحديات الأمنية المرتبطة بمضيق هرمز بعد حرب إيران. وهو الأمر الذى يعمل على تعزيز مكانة مصر كمركز إقليمى للطاقة عبر تسييل وإعادة تصدير الغاز الطبيعى. وهو الدور المصرى الهام الذى يتكامل مع مبادرة الحزام والطريق الصينية لربط مشروعات البنية التحتية الكبرى فى مصر، مثل محور تنمية محور قناة السويس، بالمبادرة الصينية للحزام والطريق. الأمر الذى تتعاون فيه الصين مع مصر لتطوير الموانئ المصرية على البحرين الأحمر والمتوسط لخدمة خطوط التجارة الآسيوية والأوروبية، وإنشاء مناطق تجارية وصناعية لوجستية مشتركة بين مصر والصين تزيد من تدفق السلع، لزيادة العائد التنموى والإقتصادى، ويجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة لقطاعات الطاقة المتجددة والنقل واللوجستيات فى القاهرة. بالإضافة للدور الصينى فى نقل الخبرات والتقنيات الحديثة لدعم التصنيع المحلى والبنية التحتية المصرية، فضلاً عن خلق فرص عمل جديدة ودعم مسار التنمية المستدامة فى الإقتصاد المصرى.
ومن هنا، تسهم هذه الشراكة المصرية فى دعم الإستقرار الإقليمى وسط تحديات أمن الطاقة ومضيق هرمز. كما يتيح التفاعل المصرى عبر المنصات متعددة الأطراف كمبادرة الحزام والطريق الصينية، بدمج المشروعات التنموية الكبرى فى مصر مع مبادرة الحزام والطريق الصينية، الأمر الذى يعود لصالح التنمية الإقتصادية فى مصر، بسبب توسيع حجم التبادل التجارى وجذب الإستثمارات الصينية المتنوعة فى قطاعات الطاقة المتجددة والصناعة. بما لذلك من إنعكاسات على بلدان الجنوب والحوكمة العالمية وتضامن الجنوب العالمى لصالح التعددية القطبية وعالم متعدد الأقطاب فى مواجهة الهيمنة الأحادية المنفردة للولايات المتحدة. لذلك، تقدم الشراكة المصرية الصينية نموذجاً ناجحاً للتعاون بين بلدان الجنوب القائم على الإحترام المتبادل والمساواة، والدعوة لإصلاح الحوكمة العالمية ودعم مصر للجهود المشتركة وأصوات الدول المتوسطة والصغيرة فى المؤسسات الدولية للمطالبة بإصلاح المؤسسات الدولية والأممية لصالح قضايا الجنوب بمساعدة ودعم الصين.
وبناءً عليه، تلعب مصر والصين دوراً محورياً فى دعم التعددية القطبية والحوكمة العالمية، عبر المطالبة بإصلاح المؤسسات الدولية والأممية لتمثيل أصوات الدول النامية والجنوب العالمى، وتعزيز التضامن ضمن دول الجنوب العالمى لمواجهة الهيمنة الأحادية الأمريكية، ودعم مصر والجنوب العالمى لموقف الصين من تايوان بإعتبارها جزء من البر الرئيسى للصين وفق مبدأ “صين واحدة” ورفض التدخل الخارجى فى الشؤون الداخلية للصين والدول، فى مقابل دعم الصين لقضايا الجنوب والإسهام فى تحقيق التنمية غير المشروطة سياسياً كما تفعل المؤسسات الغربية والأمريكية الأخرى كالبنك الدولى وصندوق النقد الدولى.



