مقالات و تقارير

وقود المستقبل .. كيف تتحول تنمية الشباب من شعار إلى مشروع وطني للنهضة؟

 

بقلم الكاتب والإعلامي/ طراد علي بن سرحان الرويس

في خضم التحولات المتسارعة التي يعيد فيها العالم تشكيل ملامحه وبنيته الاقتصادية والفكرية، لم تعد قضية “تنمية الشباب” مجرد بند تجميلي في الخطابات الرسمية، أو فقرة إنشائية مكررة في التقارير السنوية؛ لقد أصبحت مسألة وجودية تقيس نبض بقاء الدول، ودرجة منافستها، وقدرتها الحقيقية على ابتكار غدها قبل أن يداهمها المستقبل.

فالشباب ليسوا مجرد “قادة للغد” كما اعتدنا أن نردد في أدبياتنا التقليدية، بل هم صانعو “حاضر اليوم”، وعماد الاقتصاد، وقاطرة التغيير الاجتماعي التي لا تقبل التوقف، ومن قلب الشارع، ومنصات الحوار، ومجالسنا اليومية، يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً: هل نجحنا حقاً في الانتقال من مرحلة “تمكين الشباب” كشعار رنان يُرفع في المؤتمرات، إلى مرحلة “التمكين الفعلي” كمشروع وطني متكامل تنعكس ثماره على كل بيت ومجتمع؟

لقد عانينا طويلاً من مقاربة ضيقة لتمكين الشباب، تقتصر أحياناً على توفير وظيفة عابرة، أو إطلاق دورات تدريبية متفرقة تنتهي بانتهاء فعاليتها، لكن المعادلة الإنسانية والتنموية المستدامة تتطلب رؤية أعمق وأشمل؛ فالتمكين الحقيقي هو بناء “الإنسان القادر والفاعل”، الشاب الذي يمتلك الأدوات والمهارات والثقة ليكون شريكاً حقيقياً في صنع القرار، لا مجرد متلقٍ سلبي للخدمات والفرص.

في ميزان الواقع.. جراح التحديات وآلام الفرص الضائعة:
حين نقترب أكثر من نبض الشارع الشبابي، نكتشف أن التحدي الأكبر لا يكمن أبداً في شحّ الطاقات، أو فقر المواهب، أو قلة الحماس، بل يصطدم دائماً بثلاثة عوائق جوهرية:
١- الفجوة البيروقراطية: غياب المساحات المرنة التي تسمح للأفكار المبدعة بالتحرر والانطلاق دون تعقيدات إدارية عقيمة تخنق الحماس وتئد الشغف في مهدها.
٢- غياب حاضنات التأثير الحقيقي: الحاجة الملحة لبيئة مؤسسية لا تكتفي بتمويل الفكرة على استحياء، بل تواكبها، وتحميها، وتدفع بها لتصبح قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد والمجتمع.
٣- التهميش في العمل العام: الاكتفاء أحياناً بمشاركة شكلية للشباب في الواجهات، بدلاً من إشراكهم الفعلي في التخطيط لمستقبل أحيائهم، وإدارة المبادرات التي تعالج قضاياهم بأيديهم وأفكارهم.

نحو خارطة طريق إجرائية.. لنجعل التمكين مشروعاً وطنياً عابراً للتحديات:
إن تحويل طاقات الشباب من “وقود كامن” إلى “محرك نهضوي مشتعل” يتطلب خطوات جريئة وحاسمة، أبرزها:
١- تأسيس “المجالس الاستشارية الشبابية” الفاعلة:
في كل مدينة وحي ومؤسسة، لتكون صوتاً تشريعياً ومؤثراً حقيقياً في رسم سياسات التنمية المحلية.

٢- الاستثمار الجريء في اقتصاد المعرفة والمهارات الرقمية:
وفتح آفاق رحبة للريادة المجتمعية التي تحول التحديات المحلية إلى مشاريع إنتاجية مستدامة تعود بالنفع على الوطن.

٣- إعادة هندسة الثقة العميقة:
بين المؤسسات الرسمية والجيل الصاعد، عبر تسليمهم دفة القيادة في المبادرات الكبرى، ليشعر الشاب أن صوته مسموع، وأن عرقه وجهده يحدثان فرقاً ملموساً في تراب هذا الوطن.

إن الرهان على الشباب هو الرهان الرابح الوحيد الذي لا يحتمل الخسارة، لكنه يتطلب شجاعة فائقة في اتخاذ القرار، وصدقاً مطلقاً في النوايا، وإرادة جماعية لفتح الأبواب المغلقة أمام طاقات لا تنضب.

لقد آن الأوان لننتقل بلا رجعة من ثقافة “الرعاية والوصاية” إلى فضاءات “الصناعة والشراكة”.
فهل نجرؤ اليوم على منح الشباب مفاتيح المستقبل، لنبني معاً وطناً يليق بأحلامهم الكبيرة؟

نداء من القلب إلى كل عقل منير وقلم حر:
نحن لا نكتب لنقرأ وحدنا، بل لنصنع التغيير معاً، شاركونا آراءكم بروح المسؤولية المشتركة:
* ما هي أقسى عقبة بيروقراطية أو مجتمعية واجهت طاقاتكم أو طاقات أبنائكم في طريق التمكين؟
* وكيف ننتقل بمجتمعاتنا من كثرة المقترحات والمبادرات الورقية إلى عمق الأثر الميداني الذي يصنع قادة حقيقيين للمستقبل؟
أطلقوا العنان لأقلامكم وأفكاركم.. فصوتكم هو بذور التغيير القادم!

تم نسخ الرابط بنجاح!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى