
علاء حمدي
أكد أمين عام مكتب الإفتاء بسلطنة عمان الشيخ حمد بن سعود السيابي، أن الأسرة تواجه في العصر الحديث تحولات جذرية ومتسارعة فرضتها التغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية، مشدداً على أن هذه التحولات باتت تمس بصورة مباشرة بنية الأسرة واستقرارها، باعتبارها النواة الأساسية والركيزة الجوهرية لقيام المجتمع.
جاء ذلك في كلمة السيابي خلال المؤتمر الدولي الحادي عشر لدار الافتاء المصرية «التحديات الأسرية في ظل التحولات الكبرى.. مقاربة إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهوية»، المنعقد في جمهورية مصر العربية يومي 2 و3 سبتمبر 2026.
وأوضح السيابي أن التحولات المعاصرة انعكست بصورة واضحة على الحياة الزوجية، إذ شهدت الأسرة منذ تأسيسها تطوراً ملحوظاً في أنماط الحياة وأدوار أفرادها، ولا سيما مع خروج المرأة للعمل والتسوق، وما ترتب على ذلك من تزايد مستويات الاختلاط المهني والاجتماعي مقارنة بالنمط التقليدي الذي اقتصرت فيه أدوار المرأة على المجال المنزلي ورعاية الأبناء.
وأشار إلى أن هذا التحول أدى إلى تراجع مستوى الانخراط والتفاعل التقليدي داخل المحيطين الزوجي والأهلي، لافتاً إلى أن خروج الزوجين للعمل والمشاركة في المناسبات العامة استدعى في كثير من الحالات الاستعانة بعمالة منزلية للمساعدة في تربية الأطفال، غالباً ما تنتمي إلى ثقافات غير عربية وغير مسلمة، وهو ما يفرز أبعاداً تربوية وثقافية تستوجب الدراسة والتحليل.
وحذر السيابي من أن الاستعانة بالعمالة المنزلية غير المسلمة وغير الناطقة بالعربية قد تفرض تحديات جوهرية تمس البناء العقدي والتربوي للطفل المسلم، موضحاً أن الطفل في مراحل طفولته المبكرة يتأثر بصورة عميقة بالبيئة المحيطة به، وبالاحتكاك اليومي والمستمر بالقائمين على رعايته في ظل غياب الوالدين.
وأضاف أن هذا الواقع قد يؤدي إلى تراجع فرص غرس القيم الإسلامية الأصيلة والمفاهيم العقدية السليمة والآداب الشرعية بالطريقة الصحيحة التي تتوافق مع الهوية الدينية والثقافية للمجتمع المسلم، كما أن الفوارق اللغوية والثقافية والدينية لدى العمالة المنزلية قد تسهم في إحداث فجوة تربوية تنعكس سلباً على التنشئة الاجتماعية السليمة للطفل.
وأشار إلى أن هذه الفجوة قد تهدد بانحراف المنظومة القيمية للطفل عن مسارها الصحيح، وتجعل هويته عرضة للتأثر بثقافات مغايرة لتعاليم الدين الإسلامي وثوابته.
وتطرق السيابي إلى التداعيات التي قد تنشأ عن التحولات الاجتماعية والاقتصادية على الحياة الزوجية، موضحاً أنها قد تقود إلى مشكلات زوجية وربما إلى الطلاق نتيجة جهل أحد الزوجين بأحكام الشريعة الإسلامية المتعلقة بالطلاق.
واستشهد في هذا السياق بقول الله تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ ۖ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ۚ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا» .
كما استشهد بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب بشأن ابنه عبدالله عندما طلق زوجته وهي حائض، بقوله: «مره أن يراجعها ويمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر فإن شاء أمسك وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله عزوجل أن يطلّق لها النساء».
وأكد أن المعطيات الواقعية في سلطنة عُمان، وغالباً في محيطها الإقليمي الأوسع، تشير إلى أن غالبية حالات الطلاق تقع نتيجة قرارات انفعالية ولحظات غضب تفتقر إلى الروية والتروي والتدبر، الأمر الذي يبرز الحاجة إلى تعزيز الوعي بأحكام فقه الأسرة وفقه الزواج والطلاق باعتباره ضرورة وقائية للحد من هذه الانزلاقات وحماية الكيان الأسري.
وفيما يتعلق ببناء حياة زوجية مستقرة وموفقة، أوضح السيابي أن السعادة الأسرية تقوم على ركيزتين أساسيتين متكاملتين لا غنى لإحداهما عن الأخرى، تتمثل الأولى في التزام الزوجة بالطاعة الواعية لزوجها، والثانية في تقدير الزوج لزوجته واحترامه الكامل لها.
وشدد على أن الطاعة المجردة بمعزل عن التقدير والاحترام لا تحقق الاستقرار المنشود، كما أن الاحترام المتبادل وحده دون الامتثال للقيم الأسرية المنظمة لا يكفي لاستمرار الحياة الزوجية، مؤكداً ضرورة تضافر هذين العمودين لتحقيق التوازن والنجاح في العلاقة الزوجية.
وانتقل السيابي إلى تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، موضحاً أن انتشارها واقتنائها بصورة شاملة من جانب جميع أفراد الأسرة، من الآباء والأمهات إلى الأبناء والبنات، أحدث تحولاً بنيوياً وفارقاً في نمط الحياة المعاصرة.
وقال إن هذا الواقع أفرز تحديات هيكلية، في مقدمتها الاستنزاف الزمني والانشغال الرقمي المستمر لمختلف أفراد الأسرة، وهو ما أدى إلى إضعاف قنوات التواصل المباشر، وتراجع فرص الحوار والتفاهم الأسري، وخلق حالة من التباعد العاطفي والاجتماعي رغم التقارب المكاني بين أفراد الأسرة.
وأكد في هذا السياق الحاجة إلى تأصيل ثقافة ترشيد استخدام الوسائط الرقمية واستثمارها بصورة واعية، بما يسهم في إعادة ترميم الروابط الأسرية والحفاظ على بيئة تفاعلية سليمة داخل المنزل.
كما تناول السيابي المتابعة غير المنضبطة للقنوات الفضائية من جانب أحد الزوجين أو كليهما، معتبراً أنها تمثل رافداً إضافياً للخلافات الأسرية العميقة، لما قد تؤدي إليه من فجوات في التفاهم وتصدعات في العلاقة الزوجية، وربما الوصول إلى الطلاق، مستشهداً بما وثقته شواهد وحالات واقعية عديدة.
وأكد أن الطلاق يمثل السبب المباشر لتفكك الكيان الأسري وانهيار بنيانه، وما يترتب عليه من تداعيات خطيرة، في مقدمتها ضياع الأبناء وانحراف مسار نشأتهم، ما لم تتدخل حصافة الوالدين ووعيهما لاحتواء الأزمة وإدارة تداعياتها بحكمة بالغة تقلل من حجم الضرر الواقع على الناشئة.
وشدد على أن الحياة الزوجية والأسرية ينبغي أن تقوم على تحمل المسؤولية المشتركة من جانب الزوج والزوجة.
وأوضح أن هناك نماذج أسرية نجحت في تحمل المسؤولية الزوجية والعائلية من جانب الطرفين، نتيجة تمسك الزوج والزوجة بالقيم والسلوك والمبادئ الإسلامية.
وفي المقابل، أشار السيابي إلى أن التحولات الأسرية لا تخلو من جوانب إيجابية نوعية تستند إلى المعرفة والعلم الرصين والفكر الإسلامي الواعي، لافتاً إلى أن هذه النهضة يقودها رجال ونساء تشبعوا بالعلم والفهم العميق، ونهضوا بمسؤولياتهم التربوية تجاه أبنائهم وبناتهم على أسس سليمة ومنهجية قويمة.
وأكد أن كفاءة هذا النموذج تجلت في غرس الفضائل وتنشئة الأبناء على القيم النبيلة والاضطلاع بالدور التربوي بجدية واقتدار، بما يجسد قدرة الأسرة المسلمة على التكيف الإيجابي مع التحولات المعاصرة، وإنتاج أجيال واعية قادرة على الحفاظ على هويتها وقيمها.
واختتم السيابي بالتأكيد على أهمية استشراف مستقبل الأسرة وتعزيز الوعي بأحكام فقه الأسرة، بما يضمن حماية هذا الكيان وصيانة هويته في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها العالم المعاصر.




