فن

هزة لا تقاس بمقياس ريختر

زلزال النفوس

خواطر بقلم أميرة الأثر

هزّة لا تُقاس بمقياس ريختر

لم تُرعبني هزةُ الزلزال حين ضربت الأرض،

فقد كانت لحظاتٍ وانتهت.

أما هزةُ قلبي، حين قرأت كلماتك التي أعلنت فيها رحيلك،

فما زالت ترتجف في داخلي حتى الآن.

أدركت يومها أن الزلازل قد تُسقط جدرانًا،

لكن الكلمات قادرة على إسقاط إنسانٍ بأكمله.

لم تكن هزةُ الزلزال شيئًا يُذكر أمام تلك الهزة التي مزقت قلبي،

وتركت فيه صدعًا لا يرممه الزمن، وفراغًا لا يملؤه أحد.

في تلك اللحظة، تبدّلت معاني الأشياء.

لم يعد الخوف هو أن تهتز الأرض تحت القدمين،

بل أن يهتز اليقين في القلب.

فالإنسان لا يسكن البيوت بقدر ما يسكن الطمأنينة،

وإذا انهارت الطمأنينة، أصبح كل مأوى موحشًا،

وكل طريقٍ طويلًا، وكل صباحٍ فاقدًا لوعده القديم.

يقولون إن الزلازل كوارث طبيعية،

لكنهم لم يخبرونا أن بعض البشر يحملون في أفواههم زلازل أشد فتكًا من الطبيعة كلها.

كلمة واحدة قد تُنهي حياةً كاملة دون أن تُسيل قطرة دم،

ورسالة قصيرة قد تهدم أعوامًا من الأحلام بصمتٍ لا يسمعه إلا القلب.

ما أقسى أن يخرج الإنسان من معركةٍ لم يخضها، مهزومًا بسطرٍ كُتب على عجل،

بينما كان يبني في داخله عمرًا كاملًا من الأماني.

الزلازل تُعلن عن نفسها بصخب، تُطلق صفارات الإنذار،

وتمنح الناس فرصةً للاحتماء،

أما الرحيل فيأتي متخفيًا في هيئة كلمات هادئة، يطرق باب القلب برفق،

ثم يقتلع منه الحياة دون أن يترك له فرصةً للدفاع عن نفسه.

لذلك لا أخشى الضجيج، بل أخشى الهدوء الذي يسبق النهاية،

والكلمات التي تبدو عادية، بينما تُخفي خلفها قرارًا يهدم كل ما بُني بالمحبة.

ومن غرابة الألم، أن الناس يرثون المدن إذا سقطت،

ويبكون الأبنية إذا تهدمت، لكن أحدًا لا يرى المدن التي تنهار داخل الإنسان.

لا أحد يسمع صوت الجدران وهي تتهاوى في صدره،

ولا يرى الغبار المتصاعد من ذكرياته،

ولا يلمح ذلك الطفل الذي كان يركض في قلبه يومًا،

ثم جلس فجأةً فوق الأنقاض ينتظر عودةً يعرف أنها لن تأتي.

ومنذ ذلك اليوم، صرت أنظر إلى الخراب بعينٍ مختلفة.

أدركت أن الدمار ليس فيما تفقده يدك، بل فيما يفقده قلبك.

فالأشياء يمكن تعويضها، والبيوت يمكن إعادة تشييدها،

وحتى المدن تستطيع أن تنهض من تحت الركام، أما القلب،

فإذا تشقق من الداخل، ظل يحمل أثر الكسر حتى وإن بدا للناس سليمًا.

فهناك شروخ لا تظهر على الوجوه، لكنها تُغيّر ملامح الروح إلى الأبد.

وما زلت أتعجب كيف يمكن للحياة أن تستمر بعد بعض النهايات.

كيف تشرق الشمس كأن شيئًا لم يحدث؟

كيف تمضي الشوارع مزدحمةً بالمارّة،؟

بينما يشعر أحدهم أن العالم كله قد توقف عند لحظةٍ واحدة

ربما لأن الحياة لا تتوقف احترامًا لأوجاعنا،

بل تُجبرنا على السير، ونحن نحمل داخلنا مدنًا كاملةً لم ينجُ منها أحد.

واليوم، كلما سمعت خبرًا عن زلزالٍ ضرب مدينة،

دعوت لأهلها أن يحفظهم الله،

ثم تذكرت في صمت أن هناك زلازل أخرى لا تنقلها نشرات الأخبار،

ولا تُقاس بمقياس ريختر، ولا تلتقطها أجهزة الرصد.

زلازل تضرب القلوب فجأة، فتُغيّر تضاريس الأرواح،

وتترك أصحابها يمشون بين الناس بوجوهٍ هادئة،

بينما يسكن في أعماقهم خرابٌ لا يراه أحد.

ولعل أكثر ما يؤلم في تلك الزلازل أنها لا تنتهي حين يسكن الاهتزاز،

بل تبدأ بعده. تبدأ عندما يُصبح الغياب عادة، والحنين وطنًا،

والذكريات أنقاضًا نعود إليها كل ليلة،

نفتش فيها عن جزءٍ منا ضاع مع أول كلمة وداع.

عندها فقط يفهم الإنسان أن بعض الهزات لا تهدم الأرض…

بل تعيد تشكيل القلب إلى الأبد.

تم نسخ الرابط بنجاح!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى