
محمد الكعبي
في بلاد ما لا تنتهي المأساة عند الموت، بل تبدأ بعدها حفلة النفاق. وما إن يُعلن عن ضحية جديدة حتى تنطلق برقيات التعزية من المكاتب المكيفة، كأنها سباق وطني في سرعة التعبير عن الحزن، لا في منع أسبابه.
المفارقة الساخرة أن أكثر المعزين حماسا هم أولئك الذين كان ينبغي أن يُسألوا عن سبب وقوع الكارثة. المسؤول الذي أهمل، والجهة التي قصّرت، والمؤسسة التي فشلت، جميعهم يلبسون ثوب الحزن، ويرسلون برقيات تعزية مزخرفة، وكأنهم لم يكونوا جزءا من المشهد الذي أنتج المأساة.
أصبحت برقية التعزية في عالم السياسة أشبه بشهادة براءة تُمنح للنفس. يموت المواطن مرتين: مرة بسبب الفشل، ومرة عندما يُطلب من أهله أن يصدقوا دموع من تسبب بهذا الفشل. إنها نسخة رسمية من مشهد اللص الذي يساعد الضحية في البحث عن المال الذي سرقه.
ولأن القوالب جاهزة، فلا حاجة حتى إلى عناء التفكير. يكفي تبديل اسم المتوفى، واسم المحافظة، وتاريخ الوفاة، ثم الضغط على زر النشر. الكلمات نفسها، والدعوات نفسها، والعبارات نفسها، حتى ليخيل إليك أن إدارة العلاقات العامة هي أكثر مؤسسات الدولة كفاءة، لأنها الوحيدة التي لا تتأخر عن أداء واجبها.
المؤسف أن بعض المسؤولين يتعامل مع التعزية كما يتعامل مع الإنجازات الوهمية؛ كلما زاد عدد الضحايا، زاد عدد البيانات، وكأن المطلوب هو إدارة الموت لا منعه. أما الاعتذار، أو تحمل المسؤولية، أو الاستقالة، فهذه كلمات لا تجد طريقها إلى بيانات التعزية.
التعزية ليست بيانا سياسيا، ولا مادةً للاستهلاك الإعلامي. قيمتها في صدقها، لا في عدد مرات نشرها. أما حين تتحول إلى ستار يُخفى وراءه التقصير، فإنها تفقد معناها الأخلاقي، وتصبح مجرد فصل جديد من فصول النفاق العام.
ولعل أكثر برقيات التعزية صدقا هي تلك التي لا تُكتب أصلًا، بل تُترجم إلى مستشفى لا ينهار، وجسر لا يسقط، وطريق لا يحصد الأرواح، ودولةٍ تمنع المأساة قبل أن تبحث عن أجمل الكلمات لرثائها.




