منوعات

​نهضة مصر تبدأ من الصناعات الصغيرة والمتوسطة

​بقلم/ هشام كمال
رئيس جمعية دعم وتنمية مستثري الصناعات الصغيرة ومتناهية الصغر
​عندما نتأمل تجارب الدول التي حققت قفزات اقتصادية كبرى خلال العقود الماضية، نجد أن القاسم المشترك بينها لم يكن الاعتماد على القلاع الصناعية والمصانع العملاقة فحسب، بل كان الارتكاز بصورة أساسية على قطاع الصناعات الصغيرة ومتناهية الصغر، الذي شكل العصب الحرج والعمود الفقري لاقتصاداتها الوطنية.
​فالصين، التي تبسط سيطرتها اليوم كـ “مصنع العالم”، لم تبدأ رحلتها بمجمعات صناعية كبرى، بل انطلقت من ملايين الورش والوحدات الإنتاجية الصغيرة المنتشرة في المدن والقرى؛ تضافرت جهودها وتطورت تدريجياً حتى تحولت إلى كيانات عالمية تغزو بمنتجاتها كافة الأسواق.
​ولم يكن الأمر مختلفاً في ماليزيا، التي جعلت من دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة المحرك الرئيسي للتنمية، ومكنها من التحول من دولة نامية إلى واحدة من النمور الآسيوية الواعدة. وفي فيتنام، باتت هذه المشروعات الرقم الأهم في جذب الاستثمارات الأجنبية، وتعميق التصنيع المحلي، ورفع معدلات التصدير.
​حتى في ألمانيا، صاحبة أقوى اقتصاد صناعي في أوروبا، لا تكمن القوة الحقيقية في الشركات العابرة للقارات فقط، بل في آلاف المصانع العائلية والصناعات الصغيرة والمتوسطة الموزعة عبر الولايات، والتي تمثل قاعدة الإنتاج الحقيقي لـ “الصناعة الألمانية”.
​من هنا، تبرز الضرورة الحتمية لإعادة النظر في مفهوم التنمية الصناعية في مصر خلال المرحلة المقبلة. فبينما تحظى المشروعات الكبرى بأهميتها الإستراتيجية، فإن الصناعات الصغيرة ومتناهية الصغر تمتلك مرونة أكبر على الانتشار السريع، وخلق فرص عمل حقيقية ومباشرة للشباب، وتحقيق تنمية جغرافية متوازنة في كافة المحافظات.
​إن تميز المصنع الصغير يكمن في أنه لا يتطلب استثمارات ضخمة، ويمتلك القدرة على بدء الإنتاج خلال فترة زمنية وجيزة، كما يفتح أبواباً واسعة لرواد الأعمال الطامحين. وعندما تتجمع هذه الطاقات لتعمل جنباً إلى جنب داخل مناطق صناعية متخصصة ومتكاملة الخدمات، فإنها تتحول إلى قوة اقتصادية هائلة قادرة على دعم الناتج المحلي الإجمالي بكفاءة.
​أضف إلى ذلك، الدور المحوري لهذه الصناعات في خدمة المشروعات القومية الكبرى؛ فهي بمثابة “الصناعات المغذية” التي توفر المدخلات، والمكونات، والسلع الوسيطة محلياً بدلاً من استيرادها. هذا التشبيك الصناعي الذكي هو المفتاح السحري لتقليل الضغط على العملة الأجنبية، وخفض فاتورة الاستيراد، ورفع القيمة المضافة لـ “صنع في مصر”.
​إن رؤيتنا لمستقبل الصناعة المصرية ترتكز بالأساس على التوسع في إنشاء هذه المناطق الصناعية المتخصصة في مختلف المحافظات، على أن تكون مزودة ببنية تحتية حديثة، ومراكز للتدريب المهني، وخدمات لوجستية متطورة، وآليات تمويل مرنة تتناسب مع طبيعة صغار المستثمرين، بجانب خلق منافذ تسويقية حقيقية لهم في الداخل والخارج.
​إن كل ورشة صغيرة نضع حجر أساسها اليوم هي نواة لمصنع غداً، وكل مشروع متناهي الصغر يمثل فرصة عمل جديدة، واستقراراً لأسرة مصرية، ومساهمة إيجابية في بناء الوطن. دعم هذا القطاع لم يعد مجرد خيار اقتصادي مطروح للنقاش، بل هو ضرورة وطنية قصوى لتحقيق تنمية شاملة ومستدامة.
​مصر تمتلك اليوم كافة مقومات النجاح: موقع جغرافي عبقري، سوق محلية ضخمة وواعدة، شباب مبدع وقادر على العطاء، وإرادة حقيقية لتهيئة مناخ الاستثمار. ويبقى التحدي الحقيقي والمسؤولية الملقاة على عاتقنا جميعاً هي توجيه الموارد والاهتمام لبناء قاعدة صناعية صلبة تبدأ من الأسفل إلى الأعلى.. لتكون الصناعات الصغيرة والمتوسطة هي القاطرة الحقيقية لنهضة الاقتصاد المصري وتأمين مستقبله.

تم نسخ الرابط بنجاح!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى