منوعات

المجتمع الدوني وآثاره في بناء الدولة

محمد الكعبي
لا تُبنى الدول بالموارد والثروات وحدها، ولا تتعثر بسبب ضعف الإمكانات فقط، بل تتأثر أيضا بطبيعة العلاقة بين المجتمع والسلطة، وبمستوى الوعي الذي يحكم سلوك الأفراد ومواقفهم من الحقوق والواجبات، فقد تمتلك الدولة ثروات هائلة، وتتمتع بموقع جغرافي مهم، وتضم كفاءات علمية وبشرية قادرة على إحداث التحول، لكنها تبقى عاجزة عن تحقيق التنمية إذا ترسخت فيها ثقافة الخضوع والتبعية.
ومن هنا تبرز إشكالية ما يمكن تسميته بـ«المجتمع الدوني»، لا بمعنى أن المجتمع أقل قيمة أو منزلة من غيره، وإنما بمعنى وجود أنماط من التفكير والسلوك تجعل الإنسان يتنازل عن استقلاليته، ويقبل الانتقاص من حقوقه،
ويبحث عن الحماية لدى أصحاب النفوذ بدلا من المطالبة بدولة تحمي الجميع على قدم المساواة، إن خطورة هذه الظاهرة تكمن في أنها لا تبقى محصورة في سلوك الفرد، بل قد تتحول إلى ثقافة اجتماعية تعيد إنتاج الفساد والاستبداد، وتمنح النفوذ غير المشروع قدرة على الاستمرار، حتى عندما تتعارض ممارساته مع مصالح المجتمع والدولة.
أولا: كيف تتشكل العقلية الدونية؟
لا تنشأ هذه العقلية بالضرورة من ضعف فطري في الإنسان، وإنما قد تتكون بفعل تراكم ظروف اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية، من أبرزها غياب العدالة، وضعف تكافؤ الفرص، وانتشار الفقر والبطالة، وتراجع الثقة بالمؤسسات، وشعور المواطن بأن الحصول على أبسط حقوقه يتطلب واسطة أو انتماءً حزبيا أو عشائريا أو علاقة بصاحب سلطة، وعندما تتكرر هذه التجارب، قد يتكيف الفرد مع الواقع بدلا من السعي إلى تغييره؛ فيتعلم أن الصمت أكثر أمانا من الاعتراض، وأن التقرب من المسؤول أكثر فائدة من الاحتكام إلى القانون، وأن الحصول على منفعة شخصية أهم من إصلاح المؤسسة التي يفترض أن تقدم الخدمة للجميع.
ثانيا: من المواطن صاحب الحق إلى التابع لصاحب النفوذ
من أخطر مظاهر هذه الظاهرة أن يتحول الحق العام إلى مكرمة شخصية، فالمواطن الذي يستحق وظيفة وفق معايير الكفاءة، أو خدمة وفق القانون، أو إعانة وفق ضوابط معلنة، قد يجد نفسه مضطرا إلى تقديم الشكر والولاء لمن ساعده في الحصول عليها، وكأنها منحة من المسؤول وليست استحقاقا تنظمه الدولة، حتى عندما تظهر إخفاقات في الأداء أو تجاوزات على المال العام، لأنه يربط مصلحته الشخصية ببقاء صاحب النفوذ.
وهكذا تتشكل علاقة تبادلية غير متكافئة: يقدم صاحب السلطة منفعة انتقائية، ويقدم المستفيد الولاء أو الصمت أو الدعم، بينما تتراجع قيمة المؤسسات والقواعد التي يفترض أن تنظم العلاقة بين الدولة والمجتمع.
ثالثا: التملق وتقديس الأشخاص على حساب القانون
لا تستطيع أي دولة بناء مؤسسات مستقرة إذا أصبحت مكانة الفرد مرتبطة بقربه من أصحاب النفوذ، لا بكفاءته ونزاهته وإسهامه في خدمة المجتمع، فحين يتحول التملق إلى وسيلة للصعود الاجتماعي والوظيفي، يتراجع النقد الموضوعي، وتُحاصر الكفاءات المستقلة، ويصبح قول الحقيقة مخاطرة قد يدفع صاحبها ثمنها، وفي مثل هذه البيئة، لا يُقاس المسؤول بما يحققه من نتائج، بل بما يمتلكه من نفوذ، ولا يُحاسب على إخفاقاته بقدر ما يُدافع عنه أنصاره، وقد تُفسر الأخطاء على أنها مؤامرات، ويُنظر إلى النقد باعتباره عداء، وتتحول المناصب العامة إلى رموز للوجاهة الشخصية بدلا من كونها مسؤوليات تخضع للمساءلة، وحين تتقدم الأشخاص على المؤسسات، فإن الدولة تصبح عرضة للاهتزاز كلما تغيرت موازين النفوذ أو غاب أصحاب المواقع.
رابعا: كيف تُعيد هذه الثقافة إنتاج الفساد؟
الفساد ليس مجرد فعل يقوم به مسؤول يستغل منصبه، بل يمكن أن يجد بيئة اجتماعية تساعد على استمراره، عندما يتسامح الأفراد مع المحسوبية إذا خدمت مصالحهم، أو يبررون تجاوز القانون إذا صدر عن شخص ينتمون إليه، أو يرفضون محاسبة الفاسد بحجة أنه قدم خدمات لمنطقتهم أو جماعتهم وفي هذه الحالة، يصبح المعيار الأخلاقي انتقائيا، وبذلك لا يكون المجتمع مجرد ضحية للفساد، ولا يكون مسؤولا عنه وحده، بل تتفاعل سلوكياته مع بنية السلطة والقانون والاقتصاد في إنتاج بيئة قد تسمح للفساد بالاستمرار.
خامسا: أثر العقلية الدونية في بناء الدولة
تنعكس هذه الثقافة على مؤسسات الدولة في مستويات متعددة:
1- إضعاف المواطنة: عندما يتقدم الانتماء الشخصي أو الحزبي أو العشائري على الانتماء الوطني، تتراجع فكرة المساواة أمام القانون، ويصبح الوصول إلى الحقوق متفاوتا تبعا للعلاقات والنفوذ.
2- إقصاء الكفاءات: حين تكون المحاباة أهم من الخبرة، تتراجع فرص أصحاب الكفاءة المستقلين، وتُسند المسؤوليات أحيانا إلى من يمتلكون القدرة على إرضاء مراكز النفوذ بدلا من امتلاكهم القدرة على الإنجاز.
3- إضعاف الرقابة والمساءلة: عندما يخشى المواطن
من الاعتراض، أو يرفض أن يُحاسب من ينتمي إليه، تفقد الرقابة المجتمعية جزءا من فاعليتها، وتتسع المسافة بين السلطة والمساءلة.
4- تعطيل التنمية: لا يمكن بناء اقتصاد منتج أو إدارة عامة فعالة في بيئة تتقدم فيها العلاقات الشخصية على معايير الاستحقاق، لأن
الاستثمار والكفاءة والتخطيط تحتاج إلى قواعد مستقرة، لا إلى استثناءات تتغير بتغير الأشخاص.
5- إضعاف الثقة بالدولة: عندما يشعر المواطن أن حقوقه تعتمد على الوساطة، تتراجع ثقته بالمؤسسات، وقد يبحث عن بدائل شخصية أو
فئوية لتأمين مصالحه، مما يعمق الانقسام ويضعف الشعور بالمصلحة المشتركة.
سادسا: هل المشكلة في المجتمع أم في النظام الذي يصنع سلوكه؟
من الخطأ اختزال الأزمة في اتهام المجتمع وحده، كما أنه من الخطأ إعفاء الأفراد من مسؤولية اختياراتهم وسلوكياتهم، فالعلاقة بين المجتمع والنظام السياسي علاقة متبادلة التأثير؛ إذ تسهم المؤسسات في تشكيل السلوك
العام، بينما تؤثر ثقافة المجتمع ومواقفه في طبيعة المؤسسات التي تستمر أو تتغير.لا يمكن تبرير جميع الممارسات الخاطئة بضعف
النظام؛ فالمواطن يمتلك مساحة من المسؤولية الأخلاقية والوطنية، تبدأ من رفض تبرير الفساد لمجرد أن مرتكبه قريب أو حليف، إن تجاوز هذه الأزمة لا يتحقق بإلقاء اللوم على المجتمع وحده، ولا بتغيير الأشخاص مع الإبقاء على القواعد نفسها.
سابعا: كيف ننتقل من ثقافة التبعية إلى ثقافة المواطنة؟
إن بناء الدولة لا يحتاج إلى مواطن يصفق للسلطة باستمرار، ولا إلى مواطن يعارضها لمجرد المعارضة، بل يحتاج إلى مواطن يمتلك القدرة على التمييز بين الإنجاز والإخفاق، وبين الحق والمكرمة، وبين الاحترام والخضوع. ويبدأ هذا التحول من إعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة على أسس واضحة، أهمها:
1- ترسيخ مفهوم الحقوق لا الامتيازات: يجب أن يدرك المواطن أن الوظيفة والخدمة العامة والحماية القانونية، متى توافرت شروط استحقاقها، حقوق تنظمها القوانين، وليست هدايا يقدمها المسؤولون، كما ينبغي أن تُدار الخدمات وفق معايير معلنة تتيح معرفة المستحقين وطرق الاعتراض على القرارات.
2- بناء مؤسسات لا تتوقف على الأشخاص: الدولة القوية هي التي تستمر خدماتها ويُطبّق قانونها بصرف النظر عن تغير المسؤولين، ويتطلب ذلك تقوية الإدارة المهنية، وتطوير أنظمة التوظيف والترقية، والحد من التدخلات الحزبية والشخصية في عمل المؤسسات.
3- حماية النقد والمساءلة: لا يمكن إصلاح مؤسسة يُعامل نقدها باعتباره إساءة، ولا محاسبة مسؤول يُمنح أنصاره حق الاعتراض على مساءلته، فالنقد الموضوعي ضرورة لتحسين الأداء، والمساءلة القانونية ليست انتقاما سياسيا، بل ضمانة لحماية المال العام ومنع إساءة استخدام السلطة.
4- إصلاح التربية والتعليم: لا تقتصر وظيفة التعليم على منح الشهادات، بل تشمل تنمية التفكير النقدي، واحترام القانون، وتعزيز القدرة على التمييز بين المعلومة والدعاية، وبين القيادة المسؤولة والشخصية التي تستثمر في عواطف الناس ومصالحهم، فالمواطن الذي يمتلك أدوات التفكير أقل استعدادا للتنازل عن حقه مقابل منفعة مؤقتة.
5. تعزيز العدالة وتكافؤ الفرص: يصعب مطالبة المواطن بالتخلي عن الواسطة في بيئة يشعر فيها أن حقوقه لا تُنال من دونها، لذلك فإن مكافحة التبعية تتطلب إصلاحا إداريا واقتصاديا يوسع فرص العمل، ويحسن الخدمات، ويضمن عدالة الوصول إلى الفرص، ويعاقب من يستغل موقعه لتحقيق مكاسب خاصة.
5- تغيير معيار التقييم الاجتماعي: ينبغي أن ترتبط المكانة الاجتماعية بالكفاءة والنزاهة والعمل النافع، لا بالقرب من المسؤول أو القدرة على الحصول على الامتيازات، فحين يحظى صاحب الموقف المستقل بالاحترام، ويُحاسب المتملق على سلوكه، تتغير الحوافز الاجتماعية التي تغذي ثقافة التبعية.
ثامنا: مسؤولية النخب والقيادات المجتمعية
لا يمكن إغفال مسؤولية النخب السياسية والثقافية والدينية والإعلامية والعشائرية في تشكيل الوعي العام، فهذه النخب تمتلك تأثيرا يتجاوز أفرادها، ويمكنها أن تسهم في بناء ثقافة المواطنة أو في تكريس الولاءات الضيقة.
كما أن مسؤولية النخب لا تقتصر على توجيه اللوم إلى الجمهور، بل تشمل تقديم نماذج عملية في النزاهة والشفافية، والامتناع عن استغلال حاجة الناس لتحقيق الولاء، والدفاع عن استقلال المؤسسات حتى عندما تتعارض نتائج المساءلة مع مصالحها المباشرة.إن المجتمع لا يتغير بالمواعظ وحدها، بل يتغير عندما يرى أن النزاهة ممكنة، وأن الكفاءة تُكافأ، وأن القانون يُطبق على القوي والضعيف، وأن المواطن يستطيع الحصول على حقه من دون أن يتحول إلى تابع لأحد.
إن ما يُسمى بالمجتمع الدوني ليس حكما على قيمة المجتمع أو كرامة أفراده، بل توصيف نقدي لأنماط من السلوك تقوم على التبعية، وتبرير الامتيازات غير المشروعة، وتقديم الولاء للأشخاص على حساب القانون والمصلحة العامة، وهذه الأنماط ليست قدرا ثابتا، ولا صفة متأصلة في شعب بعينه، وإنما هي سلوكيات تتشكل تحت تأثير الظروف والمؤسسات والثقافة، ويمكن تغييرها متى توافرت الإرادة والإصلاح.

تم نسخ الرابط بنجاح!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى