مقالات و تقارير

تقييم مراكز الفكر والدوائر الإستراتيجية والسياسية والتحليلية الصينية لفعاليات منتدى مصر ٢٠٢٦ وتشابهها مع تجربة خط الجماهير والديمقراطية الشعبية ومؤتمر المشاورة السياسية الصينية

 

تحليل الدكتورة/ نادية حلمى

الخبيرة المصرية فى الشئون السياسية الصينية وسياسات الحزب الشيوعى الحاكم فى الصين والشئون الآسيوية ـ أستاذ العلوم السياسية جامعة بنى سويف

يحظى إنطلاق فعاليات “منتدى مصر ٢٠٢٦” بالعاصمة الإدارية الجديدة (فى الفترة من ١٩ إلى ٢٤ أكتوبر ٢٠٢٦) بإهتمام ملحوظ من قِبل مراكز الفكر والدوائر الإستراتيجية والسياسية الصينية، نظراً لتقاطع آليات هذا المنتدى وأهدافه مع الفلسفة السياسية والإقتصادية التى تتبناها بكين فى إدارة الشأن العام وصياغة السياسات التنموية. حيث يحظى “منتدى مصر ٢٠٢٦” المنعقد بالعاصمة الإدارية الجديدة بإهتمام إستثنائى من مراكز الفكر والدوائر الإستراتيجية الصينية، التى تراه نموذجاً موازياً يعكس فلسفتها التنموية. ويتركز التحليل الصينى للمنتدى حول عدة أبعاد رئيسية تقارنه بالآليات السياسية والإقتصادية والمجتمعية والشعبية لبكين. ويركز تحليل الدوائر الإستشارية والإستراتيجية الصينية على تفكيك أبعاد المنتدى ومقارنته بالتجارب والآليات السياسية والتنموية الصينية المماثلة، من خلال المحاور التالية:

– أولاً: التحليل الإستراتيجى الصينى لـ “منتدى مصر ٢٠٢٦”

ترى مراكز الفكر الصينية (مثل الأكاديمية الصينية للعلوم الإجتماعية)
(CASS)

ومعهد الصين للعلاقات الدولية المعاصرة

(CICIR)

أن هذا المنتدى يمثل تحولاً إستراتيجياً هاماً في الإدارة السياسية المصرية، من خلال:

١) الإنتقال من “العرض” إلى “التقييم الفعلي”: تثمين التركيز على قياس أثر المشروعات القومية والتنموية السابقة على مستوى المعيشة الفعلي للمواطن، بدلاً من الإكتفاء بعرض المنجزات الرقمية.

٢) صناعة السياسات التشاركية: النظر إلى المنتدى كأداة لإختبار البدائل والوصول إلى “فهم مشترك” يقلل من الفجوة بين الخطط التنموية الطموحة والواقع اليومى للمواطنين.

٣) التخطيط الإستراتيجي للمستقبل (رؤية ٢٠٣٠): ربط مخرجات المنتدى بالبرنامج الاقتصادى طويل المدى حتى عام ٢٠٣٠، مما يمنحه بعداً مؤسسياً يتجاوز كونه مجرد منصة حوارية مؤقتة.

– ثانياً: أوجه التشابه بين منتدى مصر ٢٠٢٦ مع التجارب والآليات الصينية المماثلة

تجد الدوائر السياسية الصينية تشابهاً هيكلياً ووظيفياً كبيراً بين أهداف “منتدى مصر ٢٠٢٦” وعدة آليات ومفاهيم راسخة فى منظومة الحوكمة الصينية، ويمكن عقد مقارنة لذلك بالتركيز على الآلية / المفهوم الصينى، ثم فهم وجه التشابه مع “منتدى مصر ٢٠٢٦”، من خلال:

١) الآلية / المفهوم الصينى (ديمقراطية العملية الكاملة الشعبية فى الصين)

(Whole-Process People’s Democracy)

حيث تقوم التجربة الصينية على إشراك المواطنين والخبراء فى مراحل صياغة السياسات، وتنفيذها، وتقييمها. وهو ما يتشابه مع التجربة المصرية المماثلة فى “منتدى مصر ٢٠٢٦”، من حيث الحرص المصرى على التواصل المباشر والرقابة المجتمعية، كما يتطابق هذا مع سعى المنتدى المصرى لفتح قنوات تواصل أوسع بين الحكومة والمواطنين لتقييم أثر السياسات ورصد التحديات.

٢) الآلية / المفهوم الصينى (مؤتمر المشاورة السياسية للشعب الصينى)

(CPPCC)

حيث تقوم التجربة الصينية على فكرة “التنوع بين مختلف العرقيات والإثنيات وأطياف الشعب الصينى”، ويضم المؤتمر الصينى خبراء، وأكاديميين، وممثلى قطاعات مجتمعية مختلفة لمناقشة أولويات الدولة قبل إقرارها. وهو ما يماثل البناء التنظيمى لجلسات منتدى مصر التى تجمع بين المسؤولين، والخبراء، والقطاع الخاص، والأحزاب، وتحرص على تنوع منصات الحوار الحزبى والمجتمعى.

٣) الآلية / المفهوم الصينى (خط الجماهير)

(Mass Line)

حيث تقوم التجربة الصينية على مبدأ صينى إستراتيجى مجتمعى هام، ينص على “من الجماهير وإلى الجماهير”. وينعكس هذا بوضوح فى التجربة المصرية المماثلة بدعوة الرئيس “السيسى” للإنصات المباشر لآراء المواطنين حول القضايا المؤثرة فى حياتهم ورصد الفجوات القائمة، والإستماع لشواغل المواطنين اليومية.

٤) الآلية / المفهوم الصينى (تقييم الأثر الإقتصادى وتحسين سبل العيش)

(Minosheng)

حيث تقوم التجربة الصينية على التركيز المجتمعى والحزبى الصينى فى خططها الخمسية الأخيرة – كل خمس سنوات – على جودة النمو وتحسين حياة المواطن بدلاً من النمو العددى السريع فقط. ويتشابه هذا تماماً مع تركيز اليوم الأول للمنتدى المصرى على “بناء الإنسان” وملفات النقد الكلى الموجهة لتحسين جودة الحياة، والإنتقال للإستدامة والتنمية الشاملة.

– ثالثاً: آليات التقييم والمتابعة المشتركة لمراكز الفكر والتحليل الصينية لمنتدى مصر ٢٠٢٦

تلفت مراكز الفكر الصينية الانتباه إلى نقطة جوهرية مشتركة وهى “تحويل النقاشات إلى خطط تنفيذية”، حيث يعتمد منتدى مصر على الخروج بورش عمل وجداول زمنية ومؤشرات قابلة للقياس، وهو ما يتطابق مع آليات “التقييم والمتابعة الصارمة” التى تنتهجها بكين لضمان تنفيذ التوصيات الصادرة عن اللقاءات الوطنية وتحويلها إلى تشريعات وسياسات حكومية ملزمة. حيث تمثل الركيزة الأساسية لضمان تحويل الأفكار والنقاشات النظرية إلى خطط تنفيذية وتشريعات ملزمة على أرض الواقع. ويعكس هذا التعاون رغبة الطرفين المصرى والصينى فى تجاوز صيغ المنتديات التقليدية نحو نموذج عملى صارم يعتمد على النتائج والمؤشرات الرقمية. ويمكن تلخيص أبعاد هذه الآليات المشتركة وكيفية تلاقى الرؤى المصرية والصينية فى النقاط التالية:

١) فمن حيث صياغة الأطر التنفيذية المشتركة، يتم ذلك من خلال:

– ورش العمل القطاعية: تفكيك التوصيات العامة الصادرة عن المنتدى إلى مشاريع قطاعية محددة (مثل: الطاقة النظيفة، التكنولوجيا، البنية التحتية) عبر ورش عمل تجمع خبراء البلدين.

– الجداول الزمنية الصارمة: وضع خطط زمنية محددة بمدد واضحة (قصير، متوسط، وطويل الأجل) لتنفيذ كل توصية، مما يمنع تميع القرارات.

– مؤشرات الأداء القياسية
(KPIs):

تصميم مؤشرات كمية ونوعية قابلة للقياس لمراقبة نسب الإنجاز بدقة.

٢) نقل الخبرة الصينية فى “المتابعة والتقييم”، حيث:

تتميز المدرسة الإدارية الصينية بآليات تقييم صارمة تضمن تحويل مخرجات المؤتمرات الوطنية والبحثية إلى سياسات حكومية، ويشمل ذلك:

– الإلزامية التشريعية: صياغة التوصيات فى قوالب قانونية أو مسودات سياسات تُرفع مباشرة إلى صانع القرار لدمجها فى الخطط الوطنية.

– المحاسبية والرقابة: ربط كفاءة الجهات التنفيذية بمدى إلتزامها بتطبيق المخرجات، وهو الأسلوب الذى تسعى مراكز الفكر لتعزيزه فى مخرجات منتدى مصر

٣) أدوار مراكز الفكر المشتركة فى المتابعة والتقييم، حيث تتمثل مهمة مراكز الفكر الصينية ونظيرتها المصرية فى إنجاح أى تجارب تنموية أو مجتمعية، فى:

– إصدار تقارير دورية: إعداد تقارير تقييم ربع سنوية أو نصف سنوية مشتركة لرصد التقدم المحرز فى تنفيذ توصيات المنتدى المصرى ٢٠٢٦.

– تحديد الفجوات التنموية: التدخل البحثى السريع لتقديم حلول ومعالجات فى حال تعثر أى من المسارات التنفيذية المتفق عليها.

– رابعاً: ربط مراكز الفكر والدوائر الإستراتيجية والسياسية الصينية بين مفهوم التخطيط المركزى طويل الأجل فى الصين والجمهورية الجديدة فى مصر فى عهد الرئيس “السيسى”

ترتكز الرؤية الإستراتيجية الصينية على الربط بين أهداف منتدى مصر ٢٠٢٦، ومفهوم “التحديث الصينى الأسلوب”، من خلال:

١) النموذج الصينى: يعتمد الحزب الشيوعى الصينى على “الخطة الخمسية” كأداة مقدسة لصياغة السياسات التنموية وإدارة الشأن العام.

٢) المقاربة المصرية: ترى الدوائر الصينية فى منتدى مصر ٢٠٢٦، منصة تترجم “رؤية مصر ٢٠٣٠” وأهداف “الجمهورية الجديدة” إلى آليات تنفيذية، مما يمثل تقاطعاً كاملاً مع فكرة التخطيط المركزى الصارم الذي يقوده مفاصل الدولة لتحقيق إستقرار مستدام.

– خامساً: تركيز مراكز الفكر والتحليل الصينية على البنية التحتية والمشروعات القومية الكبرى فى مناقشات منتدى مصر ٢٠٢٦ ومقارنتها بالتجارب التنموية الصينية المماثلة

يعد إختيار العاصمة الإدارية الجديدة حاضنة للمنتدى المصرى ٢٠٢٦، بمثابة رسالة بالغة الأهمية للمحللين الصينيين، من حيث:

١) النموذج الصينى: تبنت بكين على مدار عقود إستراتيجية “النمو المدفوع بالإستثمار فى البنية التحتية”، وهو ما يظهر في مدن مثل “شينزين” ومنطقة “شيونغآن” الجديدة.

٢) المقاربة المصرية: تدرس مراكز الفكر الصينية الطفرة العمرانية المصرية كشقيق إستراتيجي لنموذجها. وترى أن المنتدى المصرى المماثل يكرس لمفهوم أن البنية التحتية العملاقة هى المحرك الأساسى لتوليد الوظائف وجذب الإستثمارات الأجنبية المباشرة.

– سادساً: تحليل الدوائر الإستراتيجية الصينية لمفاهيم إدارة الحوكمة الإدارية وتطوير الكوادر البشرية والمهنية بين مصر والصين

تركز الدوائر الإستراتيجية على آليات إدارة الشأن العام التى يناقشها المنتدى المصرى، من خلال:

١) النموذج الصينى: تعتمد الصين على نظام صرامة الكفاءة الإدارية وتأهيل الكوادر السياسية والتنفيذية من خلال الأكاديميات الحزبية والحكومية، كأكاديمية الحزب الشيوعى الصينى.

٢) المقاربة المصرية: يتقاطع التركيز فى المنتدى المصرى ٢٠٢٦، على تطوير رأس المال البشرى، والإصلاح الإدارى، وتمكين القيادات الشابة، مع الفلسفة الصينية التى تؤمن بأن كفاءة الجهاز الإدارى للدولة هى الضمانة الوحيدة لنجاح أى خطة إقتصادية.

– سابعاً: تجربة التنمية المستدامة فى مصر فى عهد الرئيس “السيسى” والتكامل مع “مبادرة الحزام والطريق الصينية”

ترى بكين فى الأبعاد الإقتصادية لمنتدى مصر ٢٠٢٦، فرصة لتعميق الشراكة الإستراتيجية الشاملة مع مصر، من خلال:

١) النموذج الصينى: تسعى الصين عبر مبادرة “الحزام والطريق” ومبادرتها لـ “التنمية العالمية”
(GDI)

إلى صياغة سياسات تنموية تتجاوز النماذج الغربية التقليدية بنشر تجاربها فى بلدان الجنوب العالمى وعلى رأسها مصر، ودعم طريق التنمية المستدامة فى مصر.

٢) المقاربة المصرية: تبحث الدوائر الصينية فى كيفية مواءمة مخرجات المنتدى المصرى مع المشروعات الصينية فى المنطقة الإقتصادية لقناة السويس. ويعتبر الصينيون أن “منتدى مصر ٢٠٢٦” فرصة لتكريس سياسات تنموية نابعة من خصوصية دول الجنوب العالمى الإيجابى، بعيداً عن الإشتراطات السياسية الخارجية الغربية والأمريكية.

وبناءً عليه، نفهم بأن منتدى مصر ٢٠٢٦، يعد حدثاً وطنياً داخلياً مصرياً خالصاً فى المقام الأول تنظمه الدولة المصرية لمناقشة مسارات التنمية ومستقبل القطاعات الإقتصادية والإجتماعية، بمشاركة محلية واسعة، بينما تتقاطع مخرجاته وإهتماماته الإستثمارية مع الشراكة الإستراتيجية بين مصر والصين، وهو الأمر الذى دفع مراكز الفكر والتحليل الإستراتيجى الصينى لتحليل كافة جوانبه ومدى تقاطعاته مع التجربة الصينية المماثلة للإستفادة من النموذج المصرى وتعميمه على مستوى بلدان الجنوب العالمى.

تم نسخ الرابط بنجاح!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى