منوعات

أمانة الكلمة ومسؤولية الوعي في عصر العولمة الرقمية

 

بقلم: الكاتب والإعلامي
طراد علي بن سرحان الرويس
حرر بتاريخ: ٠١ / ٠٧ / ٢٠٢٦م

يجد المجتمع العربي نفسه اليوم أمام منعطف فكري وأخلاقي هو الأخطر في تاريخه الحديث؛ فالفضاءات الرقمية لم تعد مجرد قنوات لنقل المعلومة أو الترفيه، بل تحولت إلى أدوات هيدروليكية تعيد تشكيل الوعي الجمعي، وتصيغ قناعات ابناءنا، وتستهدف بشكل مباشر فئة الشباب الذين يمثلون محرك الأمة وطاقتها المتجددة.

إننا نعيش حقبة “السيولة المعلوماتية المفرطة”، حيث تلاشت الحدود بين العام والخاص، وأصبح التحدي الحقيقي ليس في كيفية الوصول إلى التقنية، بل في كيفية النجاة بها، إن الهجمة الشرسة اليوم لا تستهدف عقول شبابنا فقط، بل تسعى لسلخ الجيل الجديد عن جذوره العربية والإسلامية، وتغريبه في فضاءات افتراضية تفتقر للحد الأدنى من الضوابط الأخلاقية والمهنية، مما يهدد جوهر استقرارنا الأسري والاجتماعي.

وإذا تأملنا “المشهد الإعلامي الرقمي” الراهن، سنلاحظ فجوة مرعبة بين الإمكانات الهائلة للتكنولوجيا ومستوى المسؤولية في استخدامها، لقد تحولت منصات التواصل الاجتماعي من مساحات للمعرفة إلى أسواق “هوس التريند” و”صناعة التفاهة”، وساحات للتراشق والتشكيك، وتشويه المنجزات الوطنية بوعي أو بدون وعي، حيث أصبحت لغة الحوار تميل للإقصاء، وتغليب الإثارة والمصالح الشخصية الضيقة على حساب الأمن الوطني والمصلحة العامة.

إننا لا ننكر الدور الإيجابي لهذه الطفرة الرقمية في تقارب الشعوب، لكننا لا يمكن أن نقف مكتوفي الأيدي أمام سموم فكرية مُغلّفة بشعارات براقة، يبثها “محدثو النعمة الرقمية” ومشاهير الصدفة الذين تصدروا المشهد بلا وعي ولا مسؤولية، مستغلين غياب الميثاق الأخلاقي الرادع، ليزعزعوا الثوابت ويهزوا صورة الرموز والمؤسسات الوطنية.

لذلك، لم يعد كافياً أن نكتفي بموقف المتفرج أو التحذير التقليدي؛ لقد بات إلزاما علينا الانتقال فوراً إلى مرحلة “التأسيس لوعي رقمي استباقي”، وهي مسؤولية تتطلب توزيع الأدوار بوضوح على ثلاثة محاور رئيسية:

أولاً: (الأسرة) خط الدفاع الأول والرقابة الذاتية:

لم يعد دور الوالدين مقتصراً على الرعاية المادية، بل امتد ليكون “حراسة الوعي”، إن الأسرة هي المحضن الأول لنحت الهوية، والمطلوب اليوم هو الانتقال من منطق “المنع والحجب” الذي لم يعد ممكناً، إلى منطق “التحصين وبناء الرقابة الذاتية”، إن جلوس الآباء مع الأبناء، ومصادقتهم رقمياً، ومناقشة ما يشاهدونه بعقل مفتوح، هو الكفيل بغرس بوصلة قيمية داخل الطفل تمكنه من لفظ المحتوى الهابط تلقائياً حتى لو كان وحيداً خلف شاشته.

ثانياً: (المؤسسات التربوية) من التلقين إلى التفكير الناقد:

على المدارس والجامعات المعاصرة أن تدرك أن أمية اليوم ليست أمية القراءة والكتابة، بل “الأمية الرقمية والتحليلية”، يجب أن تتحول مناهجنا من التلقين الحفظي إلى تعليم “التفكير الناقد”؛ كيف يتأكد الطالب من مصداقية الخبر؟ كيف يكتشف التزييف العميق؟ وكيف يتعامل مع الشائعات الموجهة ضد وطنه؟
إن إدخال مادة “المواطنة الرقمية” في المناهج بات ضرورة ملحة لإعداد جيل يمتلك الحصانة الفكرية، ويدرك أن حريته الرقمية تقف عند حدود احترام مقدسات مجتمعه وثوابته.

ثالثاً: (الجانب القانوني والتشريعي) الحزم الرادع:

إن الأخلاق بلا قانون يحميها قد تضعف أمام إغراءات الشهرة والمال الرقمي، نحن بحاجة اليوم إلى تطوير وتفعيل أطر تنظيمية وتشريعية تتسم بالحزم والوضوح في مكافحة الجرائم المعلوماتية، والابتزاز الفكري، ونشر الشائعات.
لا نتحدث هنا عن تقييد الحريات بل عن “تنظيم الفضاء العام” وحماية السلم المجتمعي، إن تطبيق العقوبات الصارمة والمعلنة بحق مروجي الفتن وصنّاع المحتوى المسيء للقيم الوطنية هو الحصن الذي يقطع الطريق على كل من تسول له نفسه استغلال الفضاء الإلكتروني للعبث بأمننا الفكري.

إن استمرار التغاضي عن التجاوزات السلوكية والفكرية في الفضاء الإلكتروني هو تكريس للضعف؛ والعمل الاستباقي عبر الكفاءات الوطنية المؤهلة هو خط الدفاع الأول لقطع الطريق على كل من يحاول ضرب تماسكنا، ونتطلع هنا إلى دور أكثر ديناميكية لوسائل إعلامنا الرسمية والخاصة في نشر هذا الوعي القانوني، وتصدير الممارسات الإيجابية التي تعكس الوجه الحقيقي لمجتمعاتنا القائمة على التراحم والأصالة.

وما اردت الاشارة اليه هو إن أمن الأوطان واستقرار الأسر ليست شعارات تُرفع في المناسبات، بل هي غايات وجودية تستحق منا بذل الغالي والنفيس. كل كلمة ننشرها، وكل محتوى نصيغه، هو رصاصة إما في صدر الإشاعة أو في قلب الوطن؛ فلتكن كلماتنا شواهد بناء لا معاول هدم.

حفظ الله أوطاننا العربية من كل سوء، وأدام عليها نعمة التلاحم والاستقرار، في ظل قياداتنا الحكيمة التي لا تألو جهداً في سبيل رفعة الأوطان وحماية الإنسان.

تم نسخ الرابط بنجاح!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى