مقالات و تقارير

العراق والسعودية… الآفاق والاتفاق

محمد الكعبي
تُعدّ الشراكة بين الدول من أهم العوامل التي تعزز التعاون والتفاهم والتقارب وفق قاعدة المصالح المشتركة، مع الحفاظ على خصوصية كل دولة وهويتها السياسية والثقافية مع قبول الاخر، وهذه المسألة ليست جديدة في التاريخ الإنساني، بل هي متجذّرة منذ القدم، وقد أشار إليها القرآن الكريم في سورة قريش، في سياق الحديث عن رحلتي الشتاء والصيف وما تمثلانه من شراكات اقتصادية وتجارية أسهمت في تحقيق الاستقرار والازدهار.
وما نشهده اليوم من توسّع وتنوّع في العلاقات الدولية يحمل مردودات إيجابية كبيرة إذا ما ضُبط بقواعد تحفظ حقوق الجميع وتؤسس لعلاقات متوازنة، فالتطور العابر للحدود، وتبادل الخبرات والتجارب بين الأمم، يفتح آفاقًا واسعة أمام البناء والتنمية، ويفرض واقعًا جديدًا يستدعي التعامل معه بعقلية منفتحة تستوعب متغيرات العصر وتحولاته.
ومن هذا المنطلق، فإن الشراكة العراقية–السعودية تمثل ضرورة استراتيجية وليست خيارًا ثانويًا، لما تتمتع به الدولتان من ثقل جغرافي وسياسي واقتصادي مؤثر في معادلات المنطقة، فالعراق والمملكة العربية السعودية يمتلكان موارد طبيعية وبشرية كبيرة، كما يشكلان عنصرا مهما في استقرار الشرق الأوسط ومستقبله.
وفي ظل التحولات السياسية والأمنية والاقتصادية والثقافية المتسارعة التي تشهدها المنطقة، تبرز الحاجة إلى بناء علاقات قائمة على الثقة وإعادة قراءة موقع البلدين ودورهما الإقليمي بعيدا عن التشنجات والأحكام المسبقة، وبما ينسجم مع متطلبات الاستقرار والتنمية والمصالح المشتركة.
ولا يمكن إنكار أن العلاقة بين البلدين شهدت في مراحل سابقة فترات من التوتر والتباعد نتيجة جملة من الأحداث والسياسات، من أبرزها الحرب العراقية–الإيرانية واحتلال الكويت، فضلًا عن الاختلاف في وجهات النظر تجاه بعض الملفات الإقليمية، إلا أن ما يجمع الشعبين أكبر بكثير مما يفرقهما؛ فهناك روابط الدين واللغة والقومية والثقافة والعادات الاجتماعية، إضافة إلى التداخل القبلي والأسري، وهي عوامل يمكن البناء عليها لتعزيز التقارب والتفاهم.
إن المنطقة اليوم بحاجة ماسة إلى الانفتاح والتعاون، حتى وإن كان الدافع الأساسي هو المصالح المشتركة، لأن المصالح تمثل في النهاية قاعدة الاستقرار السياسي والاقتصادي، ومن هنا تأتي أهمية تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين العراق والسعودية في مجالات الاقتصاد  والتنمية والطاقة والأمن والزراعة والصناعة والنقل والثقافة والسياحة.
وقد شكّل افتتاح منفذ عرعر الحدودي نقطة تحول مهمة في العلاقات الاقتصادية بين البلدين، إذ أسهم في تنشيط الحركة التجارية وفتح آفاق جديدة للاستثمار والتبادل الاقتصادي، خاصة في ظل حاجة العراق إلى مشاريع الإعمار والتنمية والبنى التحتية.
كما أن تحسين العلاقات بين بغداد والرياض يمكن أن يسهم في تحقيق قدر أكبر من التكامل السياسي والتجاري والاستقرار الإقليمي، رغم وجود بعض التعقيدات، فضلًا عن تحوّل العراق في كثير من الأحيان إلى ساحة للصراعات الإقليمية والدولية، الأمر الذي يستدعي إعادة ترسيخ مفهوم الدولة والسيادة والمصلحة الوطنية.
إن نجاح العراق والسعودية في إدارة شراكتهما بصورة صحيحة، بعيدا عن التدخلات الخارجية، يمكن أن يحوّل هذه العلاقة إلى نموذج إقليمي يُحتذى به، خصوصًا في مجالات الطاقة والنقل والأمن الغذائي والصناعة والسياحة والاعمار.
فالعراق قادر على الاستفادة من التجربة السعودية في التنوع الاقتصادي، وبناء المدن الحديثة، وإدارة المشاريع الكبرى، وتطوير البنى التحتية، فيما تمثل السوق العراقية بالنسبة للمملكة عمقا اقتصاديا واستراتيجيا مهما ، لما يمتلكه العراق من موارد طبيعية وثروات وسوق استهلاكية وموقع جغرافي حيوي.
وفي المحصلة، فإن مستقبل الشراكة العراقية–السعودية يبقى مرهونا بقدرة الطرفين على تحويل المصالح المشتركة إلى مشاريع استراتيجية طويلة الأمد، بعيدًا عن التشنجات الأيديولوجية والانفعالات السياسية، فالعلاقات الدولية الناجحة لا تُبنى على التشابه الكامل في الأفكار أو التوجهات، بل على إدراك المصالح المشتركة وإدارة الاختلافات بعقلانية.
ولعل نجاح هذه العلاقة قد يسهم في إعادة صياغة توازنات المنطقة وتعزيز الاستقرار فيها، بما يخدم مصالح الشعوب ويؤسس لمستقبل أكثر أمنًا وتنمية.

تم نسخ الرابط بنجاح!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى